حين يطرق العنف باب المدرسة… هل نفتح له أم نغلق الباب بالتربية؟

حين يطرق العنف باب المدرسة… هل نفتح له أم نغلق الباب بالتربية؟

مقدمة: “من يربي من؟”
ليس في الأمر مزحة، حين تُطرَح هذه الجملة في أروقة النقاش التربوي، فالسؤال بات ضرورة: من يربي من؟ أتُربّي المدرسة أبناءنا، أم أصبح أبناؤنا في كثير من المواقع من يُقلّبون وجه المدرسة كما يشتهون؟
إنه سؤال محرج، لكنه عادل… يحاصر وجداننا قبل عقولنا، ويضعنا وجهاً لوجه أمام حقيقة صادمة: العنف المدرسي لم يعد حادثاً عرضياً، بل ظاهرة ذات جذور، وسياقات، ومآلات.

الكتاب الذي صدر حديثًا عن الباحث التربوي مصطفى شميعة، بعنوان: “العنف في الوسط المدرسي: مقاربة إدارية وتربوية”، لا يطرق هذا الباب ليزيدنا صدمة، بل ليضيء ما أمكنه من الزوايا المعتمة في مسرح الأحداث التربوية.

جذور العنف: حين تبدأ القصة من الطفولة

 في فصله الأول، يفتح شميعة ملف “التسلط والعنف” ويعود بنا إلى البدايات: إلى التنشئة الأولى، إلى أسلوب التواصل داخل الأسرة، إلى بيئة الشارع والحي، إلى الأنماط السلطوية التي تشكل بها وعي الطفل…
يبدو أن العنف المدرسي ليس إلا قمة جبل الجليد، فيما تكمن الجذور الدافئة تحته… تغذيه أزمات الأسرة، هشاشة المنظومة، وتيه القيم في زحام الحداثة المرتبكة.

المدرسة بين القيم والتكسير

 في الفصل الثاني، يتساءل الكاتب ـ دون أن يصرح ـ:
هل لا تزال المدرسة قادرة على التربية على القيم؟
هل تستطيع أن تخلق توازنًا بين التحصيل والانضباط، بين الحرية والاحترام، بين الاحتواء والحزم؟
ويُحسب له أنه يسلّط الضوء على التصدعات التي ضربت بنية التمدرس، والعلاقة المعقدة بين العنف ونظام التفاعل التربوي.

إنها ليست مجرد علاقة “ضرب ورد فعل”، بل سلسلة من التأثيرات المتبادلة التي تجعل من العنف كائه شبح ينزلق من زاوية إلى أخرى، ويتقمص أدوارا شتى داخل الفصل: تارة في سلوك التلميذ، وتارة في رد فعل الأستاذ، وأحيانا في صمت الإدارة.

حين تنطق الوقائع… ويكتب الميدان شهادته

 في الفصل الثالث، ينتقل الباحث من النظرية إلى الواقع، ويضع القارئ أمام مشاهد ملموسة من المؤسسات التعليمية:
تقارير إدارية، ملاحظات عينية، شهادات تربويين… كل ذلك يُشكّل لوحة قاتمة أحيانا، لكنها ضرورية لفهم الحقيقة كما هي، لا كما نرغب في رؤيتها.
وقد نرجو الخير في هذا النهج البحثي الواقعي الذي لا يتعالى على تفاصيل الميدان، بل يعترف بلسان حال الواقع أن: “التشخيص جزء من العلاج، والصراحة أولى مراحل التعافي.”

العنف بين الممكن والمأمول: أي أفق لتدبيره؟

 أما الفصل الرابع، فيحاول أن يفتح النوافذ… أن يتلمّس طرائق للنفاذ من النفق.
فالمقاربات كثيرة، لكن ما ينقصها ـ في كثير من الأحيان ـ هو الاتساق والصدق في التنزيل.
ونحسب هذا التوجه الذي اختاره الكاتب مقاربة صائبة، إذا ما أُنجزت برؤية نزيهة، وبارتباط حقيقي بالصالح التربوي العام.

ويخلص الكتاب إلى اقتراحات عملية، نأمل أن تجد آذانا واعية لدى صناع القرار التربوي، خاصة في ظل الحاجة الملحة إلى استعادة المدرسة دورها الأصيل كحاضنة للتربية، لا كمساحة لاحتواء العنف فقط.

إشارات من الكتاب… ومساءلة ضمير المجتمع

لفت انتباهنا في المقدمة تأكيد الباحث على أن مظاهر العنف ليست نمطية، بل متعددة الأشكال، ومتشعبة المصادر، وغالبًا ما تكون نتيجة تفاعل عوامل اجتماعية ونفسية وسياسية.
وقد لا يكون العنف في المدرسة مجرد فعل مادي، بل صدى لخلل عميق في منظومة العلاقات داخل المجتمع.

ومن ثم، فإن المعالجة يجب ألا تقتصر على الردع أو الزجر، بل أن تشمل التأهيل والوقاية والتثقيف والتكوين.
فالعنف ليس عدواً عابرًا، بل مرآة تُري ما نرفض أحيانًا رؤيته.

خاتمة: “حين يصمت الطباشير ويصرخ الجدار…”

ليس سهلاً أن يُربّي المعلم وسط ضجيج القلق، ولا أن يتعلم التلميذ في مناخ الخوف أو التهديد…
لكننا نرجو الخير في كل محاولة واعية تُعيد ترتيب الأولويات، وتُعيد الاعتبار للمدرسة كمساحة للمعنى لا مجرد وعاء للمعرفة.

فهل سنصدق في بناء مدرسة تسكنها القيم قبل أن تسكنها الجدران؟
هل نملك الشجاعة للاعتراف بأن إصلاح المدرسة هو بالضرورة إصلاح للمجتمع؟
وهل نقدر، نحن أولياء الأمور والمربين والفاعلين، ثقل الكلمة التي نكتبها عن أطفالنا، ومسؤولية الصمت حين يصبح مشاركة في الجريمة؟

نترك هذه الأسئلة مفتوحة… علّها توقظ في القارئ شرف الانتماء للكلمة النبيلة، التي لا تطبل، ولا تجامل، لكنها تضيء.

• الناشر

إرسال التعليق

You May Have Missed