عيد العرش: رمز التجديد والبيعة في ظلال الثوابت الوطنية

عيد العرش: رمز التجديد والبيعة في ظلال الثوابت الوطنية

في لحظات يتجدد فيها العهد، وتتوهج فيها جذوة الانتماء، يحتفي المغرب بعيد العرش المجيد، مناسبة ليست مجرد ذكرى عابرة، بل محطة للتأمل في مسيرة وطن أسس بنيانه على ثوابت التاريخ والدين والوحدة. في هذا السياق، نظم مجلس مقاطعة سايس بمدينة فاس، يوم الثلاثاء 22 يوليوز 2025، محاضرة علمية تحت عنوان “عيد العرش: رمز التجديد والعطاء”، جمعت نخبة من الأكاديميين لتسليط الضوء على دلالات هذه المناسبة العظيمة. لكن، أي معنى يحمل هذا الاحتفاء؟ وكيف يمكن لمثل هذه الفعاليات أن تزرع بذور الوعي وتؤسس لمستقبل يجمع بين الأصالة والطموح؟

تلاوة الذكر ونشيد الوطن: بداية تحمل رمزية الوحدة

استهلت الندوة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، تلاها النشيد الوطني، كأنما هما جناحا طائر يحلق في سماء الثوابت الوطنية. الكلمة الافتتاحية كانت للسيدة لبنى بنعبد الله، النائبة الثانية لرئيس مقاطعة سايس، التي رحبت بالحضور بأسلوب يعكس الدفء والمسؤولية، مؤكدة أن هذا اللقاء ليس مجرد احتفاء، بل دعوة لاستحضار المعاني العميقة للبيعة والوحدة. ونحسب أن هذه البداية، بما تحمله من رمزية، قد وضعت الأسس لنقاش ينبض بالعمق والمسؤولية.

الشرعية التاريخية وتجدد البيعة: مداخلة الدكتور علي المطهري

تحت عنوان “عيد العرش المجيد: تجليات الشرعية التاريخية وتجدد البيعة السياسية على ضوء الثوابت الوطنية”، قدم الدكتور علي المطهري، الباحث في التصوف والفكر الإسلامي وحوار الأديان، قراءة عميقة لمعنى البيعة. كانت كلماته كالنهر الذي يجري سلسًا، لكنه يحمل في أعماقه قوة التاريخ. أشار إلى أن البيعة في المغرب ليست مجرد طقس سياسي، بل عقد روحي واجتماعي يربط الأمة بقيادتها، مستمد من جذور دينية وتاريخية تمتد عبر قرون.

ونرجو أن تكون هذه الرؤية، التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، مدعاة لتأمل القارئ في قيمة الاستمرارية التي يمثلها العرش العلوي. فهل يمكن لمثل هذه القراءات أن تلهم جيلًا جديدًا ليحمل مشعل الوفاء لهذا الوطن؟

رمز الوحدة الوطنية: كوثر أبو العيد وتاريخ الدولة العلوية

في المداخلة الثانية، ألقت الدكتورة كوثر أبو العيد، الحاصلة على الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر، الضوء على “عيد العرش المجيد: رمز الوحدة الوطنية وتجديد البيعة لملوك الدولة العلوية”. تحدثت بأسلوب يشبه نسيجًا دقيقًا، يجمع خيوط التاريخ بالحاضر، مشيرة إلى أن الدولة العلوية شكلت على الدوام صمام أمان للوحدة الوطنية.

استعرضت الدكتورة كيف كان العرش ملتقى القلوب، يجمع بين مختلف مكونات المجتمع المغربي، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. ونحسب أن هذه الفكرة، التي قدمتها ببراعة، تحمل في طياتها دعوة للتفكير في كيفية تعزيز هذه الوحدة في مواجهة التحديات المعاصرة. ألا يستحق هذا الإرث أن نحافظ عليه بوعي ومسؤولية؟

مغرب 2030: التحديات والفرص في عيون الدكتور محمد يسين الركيبي

اختتمت المداخلات بكلمة الدكتور محمد يسين الركيبي، المتخصص في القانون العام، الذي قدم قراءة بعنوان “مغرب 2030: قراءة في التحديات والفرص”. كانت مداخلته كخريطة طريق مرسومة بعناية، تكشف عن التحديات التي تواجه المغرب في ظل المتغيرات العالمية، من تغير المناخ إلى التحول الرقمي، مرورًا بالعدالة الاجتماعية. لكنه لم يكتفِ بالتشخيص، بل قدم رؤى للاستفادة من الفرص المتاحة، كالشباب والابتكار والموقع الجيواستراتيجي للمغرب.

ونأمل أن تكون هذه الرؤية الطموحة، التي اقترن فيها القول بالعمل، ملهمة لصناع القرار والمواطنين على حد سواء. فما الذي يمكن أن يقدمه كل منا ليكون مغرب 2030 حلما يتحقق؟

نقاش مفتوح: صوت الحضور يعزز المعنى

في ختام المداخلات، فتح المحاضرون المجال للحضور، فكان النقاش كالبحر الذي يتدفق بأمواج من الأفكار والأسئلة. كان الحضور شريكًا في صياغة المعنى، يسألون ويتدبرون، يناقشون ويحلمون. هذا التفاعل، الذي عكس شغف المغاربة بوطنهم، يذكرنا بأن الوعي الجماعي هو الوقود الحقيقي لأي نهضة. ونرجو أن تستمر مثل هذه اللقاءات في إشعال جذوة التفكير النقدي الهادئ.

 كلمة تحمل أمانة ومسؤولية

عيد العرش ليس مجرد احتفال، بل هو لحظة نستحضر فيها جذورنا، ونؤكد فيها وحدتنا، ونرسم فيها أحلامنا. هذه الندوة، بما حملته من أفكار عميقة ونقاشات غنية، تذكرنا بأن الكلمة النبيلة هي سلاح الوعي ومفتاح التغيير. لكن، أي دور يمكن أن نلعبه نحن، كمواطنين، في تعزيز هذه الثوابت؟ وكيف يمكن لكل منا أن يحمل أمانة الكلمة بصدق ومسؤولية؟

إن وطنًا كالمغرب، ينبض بالتاريخ والأمل، يستحق منا أن نكون أوفياء لروحه، متمسكين بقيمه، طامحين إلى مستقبل يعكس عظمة ماضيه. فلنحمل هذه الأمانة بقلوب واعية، ونزرع بذور الخير في كل خطوة، فإن الوطن لا يبنى إلا بحب أبنائه وصدق عزيمتهم.

• الناشر

إرسال التعليق

You May Have Missed