في دروب فاس العتيقة : خرجة تربوية بعنوان البحث عن الكنز تعيد اكتشاف ذاكرة المدينة وتوقظ فضول الاجيال الصاعدة

في دروب فاس العتيقة : خرجة تربوية بعنوان البحث عن الكنز تعيد اكتشاف ذاكرة المدينة وتوقظ فضول الاجيال الصاعدة

في مدينة لا تزال ازقتها تنبض بحكايات القرون، وتختزن جدرانها اسرار حضارة عريقة، اختار عدد من الفاعلين التربويين والثقافيين ان يعيدوا تقديم التاريخ للاجيال الصاعدة بطريقة مختلفة.  رحلة حية داخل ذاكرة مدينة عتيقة، حيث امتزجت المعرفة بالمغامرة، والبحث بالاكتشاف، والتاريخ بالادب.

ضمن فعاليات رمضانيات اكليل فاس، نظمت الشبكة الوطنية للقراءة والثقافة يوم الاحد فاتح مارس 2026 خرجة ثقافية تربوية حملت عنوان البحث عن الكنز في دروب المدينة القديمة لفاس، لفائدة تلاميذ وشباب المؤسسات الشريكة، وذلك بدعم من مقاطعة المرينيين بمدينة فاس. وقد جاء هذا النشاط ليجسد رؤية تربوية حديثة ترى في المدينة العتيقة كتابا مفتوحا يمكن قراءته على مهل، وفصلا حيا من فصول التاريخ المغربي لا يزال قادرا على الهام العقول والقلوب معا.

فكرة البحث عن الكنز منهجية تعليمية قائمة على تحفيز روح الفضول والاستكشاف لدى المشاركين، ودفعهم الى قراءة الامكنة بعيون الباحثين لا بعيون العابرين. فكل زقاق في فاس يحمل قصة، وكل باب يختزن حكاية، وكل معلمة تاريخية تشهد على مرحلة من مراحل تشكل الهوية الحضارية المغربية.

وقد اشرف على تاطير هذه الرحلة المعرفية الاستاذ عبد الفتاح دوبلي بناني رئيس جمعية اساتذة الاجتماعيات، الذي رافق المشاركين بسلسلة من الشروحات والتحليلات التي وضعت المعالم التاريخية في سياقها الحضاري الواسع، فبدت المدينة وكأنها كتاب مفتوح تتعاقب صفحاته بين التاريخ والسياسة والفكر والثقافة.

كما عرف النشاط حضور عدد من الفاعلين في الحقل الثقافي والادبي، من بينهم الروائي محمد كمال فارسي صاحب روايتي زقاق الحجر ودمليج زهيرو، والكاتب شرف الدين عكري صاحب رواية فندق دماحة، الى جانب قادة منظمة الكشاف الافريقي فرع بن دباب. وقد اضفى هذا الحضور بعدا ثقافيا مميزا على الخرجة، حيث تداخل الحديث عن الامكنة الواقعية مع الفضاءات السردية التي تستلهمها الرواية المغربية، فبدت المدينة وكأنها مسرح كبير تتقاطع فيه الوقائع التاريخية مع الخيال الادبي.

انطلقت الرحلة من محطة ذات دلالة رمزية عميقة عند قبر اخر ملوك غرناطة بمصلى بن دباب، في استحضار لحظة تاريخية فارقة شكلت نهاية الحكم الاندلسي وبداية انتقال كثير من رموزه الحضارية الى المغرب. ومن هناك انفتح المسار على عدد من المعالم البارزة في المدينة، مرورا بباب المحروق وباب بوجلود، وصولا الى المدرسة البوعنانية وساعتها المائية الشهيرة التي ما تزال شاهدة على عبقرية المهندسين في العصر المريني.

كما توقف المشاركون عند بيت ابن خلدون ولسان الدين ابن الخطيب، في لحظة استحضار لاثنين من ابرز اعلام الفكر والادب في الحضارة الاسلامية، قبل ان تمتد الرحلة الى زاوية سيدي احمد التيجاني وضريح مولاي ادريس الثاني، حيث يتعانق التاريخ الروحي مع الذاكرة السياسية للمدينة. اما جامع القرويين، فقد شكل بدوره محطة اساسية في هذه الجولة، باعتباره واحدا من اعرق المراكز العلمية في العالم الاسلامي، وواحدا من المنارات التي ساهمت في اشعاع فاس علميا وثقافيا عبر القرون.

وقد اختتم المسار عند فضاء فندق دماحة، في اشارة رمزية الى العلاقة المتشابكة بين المدينة الواقعية والمدينة المتخيلة في السرد الروائي المعاصر، حيث تتحول الازقة والبيوت والاسواق الى فضاءات ادبية تستلهمها الرواية وتعيد تشكيلها في مخيلة القارئ.

الهدف من هذه الخرجة خسب المنظمين هو التعرف على بعض المعالم التاريخية، و السعي الى بناء علاقة جديدة بين التلميذ وفضائه الحضاري، علاقة تقوم على الفهم والتحليل والاعتزاز بالانتماء. فقد سعى المنظمون الى تعزيز الوعي بالتراث المعماري والتاريخي للمدينة العتيقة، وربط المعرفة النظرية التي يتلقاها التلاميذ في الفصول الدراسية بالتجربة الميدانية الحية، الى جانب تنمية الحس البحثي لديهم عبر اسلوب الاستكشاف والتساؤل.

وقد اعتمد النشاط مقاربة بيداغوجية تفاعلية تقوم على التعلم بالاكتشاف والسرد التاريخي المدعوم بالتحليل، مع فتح المجال للنقاش وطرح الاسئلة التحفيزية، فيما شكلت فكرة البحث عن الكنز وسيلة ذكية لتنشيط التفكير النقدي لدى المشاركين وتعزيز روح العمل الجماعي بينهم.

اللافت في هذه التجربة هو التفاعل الواضح الذي ابداه التلاميذ والشباب مع مختلف محطات الرحلة، حيث اظهروا اهتماما حقيقيا بالموروث الحضاري الذي تزخر به فاس، وهو ما يعكس ان الاجيال الجديدة لا تزال قادرة على الارتباط بتاريخها حين يقدم لها بلغة قريبة من وجدانها واساليب تثير فضولها.

* الناشر  ” عندنا..للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق