قصص الخطاب القرآني وحدة المتعدد

قصص الخطاب القرآني وحدة المتعدد

سعيد يقطين

لماذا ظلت كل قصص الخطاب القرآني ذات بداية ونهاية، في حين نجد زمن النص القرآني، المتصل بقصة البعثة النبوية مفتوحا وممتدا إلى زمن الخلود؟ جوابا على هذا السؤال نرى أن قصص الخطاب القرآني مشتركة وموحدة على مستوى النهاية، حيث كان العقاب لأقوام الرسل في حياتهم. أما قصة البعثة النبوية فبقيت مفتوحة لأنها آخر القصص، ولأنها موجهة لجميع الناس، ومن ثمة فالعقاب لن يكون إلا يوم القيامة. ولذلك نجد أن قصص الخطاب القرآني جاءت لتقديم ما يمكن استخلاصه عن حياة الأقوام الغابرة وهم يعاندون الرسل الذين بعثوا إليهم، ولتكون بذلك دعامة للرسول محمد (ص) في أداء رسالته. ويبدو لنا من وراء ذلك ما أكدناه عن كون قصة البعثة النبوية تأطيرا للقصص النبوية المضمنة.

علاوة على كون قصص الخطاب القرآني مشتركة وموحدة بالمقارنة مع قصة البعثة النبوية، نذكر بأن القرآن نزل منجما، وتبعا لذلك لا نجد القصص فيه ذات بعد خطي كما اعتدنا على ذلك في كل القصص التي ينتجها الإنسان، أو كما تتقدم إلينا من خلال الكتب الدينية سواء كانت سماوية أو غيرها. ويدفعنا ذلك إلى تسجيل أن قصص القرآن تتخذ صورا وأشكالا متعددة في النص القرآني. فهي تأتي أولا كاملة مكتملة ذات بداية ونهاية، وهذا نادر بالقياس إلى غيره (قصة يوسف). وثانيا على شكل آيات (شذرات) مدرجة لوحدها داخل سورة محددة. أو ثالثا على الصورة السابقة، مع بعض الاختلاف الذي يبرز من خلال تسلسل عدة شذرات من عدة قصص في سورة واحدة. وهذا الشكل الثالث يمكن أن يتكرر أو يتواتر في عدة سور. كما أننا نلاحظ في هذا الصنف الثالث اختلافَ ما يتقدم إلينا بخصوص ما يتعلق بنبي أو رسول من معطيات تتصل بعلاقته مع قومه في السور المختلفة حيث نجد أنفسنا أمام مواد حكائية جديدة لم تقدم في سورة أخرى. ونستنتج من ذلك كون التكرار أو التواتر يأخذ بعدا اختلافيا يجب تمييزه عن باقي أشكال التواتر كما تقدمها لنا الأدبيات السردية في هذا المكون الزمني.

كيف نتعامل مع هذا «التكراري المختلف» في قراءتنا وتحليلنا لخطاب القصص القرآني؟ لا شك أن قراءتنا لسورة يوسف سيكون مختلفا عن تحليل قصة موسى. فالأولى متكاملة من بدايتها إلى نهايتها. أما قصة موسى فهي موزعة على طول النص القرآني، وفي مختلف السور التي تحضر فيها نجد أنفسنا أمام مواد حكائية (أحداث) جديدة لم تذكر في سور أخرى. ويمكن قول الشيء نفسه عن الشذرات المتفرقة في السور عن الكثير من الأنبياء والرسل. يفرض علينا هذا التنوع والتعدد تحديد ثلاث استراتيجيات يمكن أن نوظفها متصلة أو منفصلة. تبرز الاستراتيجية الأولى في التعامل مع قصة هذا النبي أو ذاك في ذاتها عن طريق استخراج كل ما يتعلق به في مختلف السور، والعمل على ترتيبها وفق تطور المادة الحكائية زمنيا لتشكيل قصة متكاملة، وقصة موسى تعطينا مثالا جيدا لذلك بسبب كثرة المادة التي يقدمها لنا النص القرآني من لحظة ولادته إلى تكليفه بالرسالة، وما جرى له مع قومه. ويبدو لي أن كتب «قصص الأنبياء» التي صنفها المسلمون تقدم لنا نموذجا لذلك، وبعض من تكفل بتناول القصص القرآني، من المحدثين، سار على هذا المنوال.

أما الاستراتيجية الثانية فتتمثل في تناول قصص الأنبياء حسب ورودها في السور المختلفة التي تتقدم إلينا من خلالها عن طريق ربط بعضها ببعض لاستخراج ما يجمع بينها من قواسم مشتركة، وبما يختلف به بعضها عن غيره، ولا سيما في ارتباط ذلك بخصوصية شخصية الرسول أو النبي الذي تتحدث عنه. وبالرغم من كون هذه القصص تشترك، إجمالا، في الحدث العام (الفعل) الذي يؤلف بينها جميعا، فهي تختلف من حيث الشخصيات (الفواعل) التي تضطلع بالأفعال. إن سيدنا نوح ليس سيدنا إبراهيم، وكل منهما مختلف عن سيدنا يونس، وهكذا دواليك.

وتبرز الاستراتيجية الثالثة في النظر إلى هذه القصص المختلفة حسب نزول الآيات أو السور التي تتضمنها على الرسول (ص)، وفي ضوء السياق الذي وردت فيه، لأن الهدف من أي سرد في القرآن الكريم أو أي جنس آخر من أجناس الكلام كان لأغراض ومقاصد محددة ومعينة، سواء ارتبط ذلك بزمن النبوة (تزامنيا)، أو بما بعد زمن النبوية (تعاقبيا) مادام زمن النص القرآني مفتوحا إلى نهاية العالم.

إن القراءة الأولى تركز على الخطاب في ذاته للوقوف على مادة القصة من خلال خصوصيات الخطاب (سرديته) التعبيرية وجماليتها التي هي جزء أساسي من خصوصيات القرآن الكريم التي يتميز بها عن غيره من السرود التي أنتجها الإنسان، بغض النظر عن طبيعتها أو وظيفتها. بينما تلح الثانية على القصة في ذاتها من خلال التركيز على شخصية النبي أو الرسول باعتباره الفاعل أو العامل المركزي، وهو في هذا الدور الذي يضطلع به شبيه بما يقوم به الرسول (ص) مع قومه. إن خصوصيات الشخصيات النبوية تقدم الأمثلة والنماذج لما يجب اقتداؤه من لدن الرسول أو التنبيه إلى ما يجب تجاوزه لأنه خاتم النبوة، وعليه ألا يكون تكرارا لأي منهم، أي أن يكون النموذج الأعلى للأنبياء كلهم. ويبدو لي أن واحدة من أهداف سرد قصص الأنبياء في القرآن الكريم كانت وراء هذا القصد.

تتكامل هذه الاستراتيجيات إذا كان المراد الوقوف على حكائية القرآن الكريم، وسرديته، ونصيته، وهي التي نستجمعها فيما أسميناه «قرآنية» القرآن الكريم. تتمثل هذه القرآنية في كون ما جاء به القرآن الكريم (عالم الشهادة) تصديق لما جاء به الأنبياء والرسل (عالم الغيب)، وما أنزل على بعضهم من خلال الكتب السماوية التي تدعو مجتمعة إلى عبادة الله، واتباع أوامره، وتجنب نواهيه لما فيه الخير للبشرية: «إن الدين عند الله الإسلام» (آل عمران، 19). إنها الوحدة التي يجمع عليها كل الأنبياء والرسل ما نعرفه منهم ومن لا نعرفه. لكن نوازع النفس البشرية، واتباعها خطوات الشيطان يجعلها تصر على اتباع أهوائها فكان الاختلاف بين الناس في قبول الدعوة أو رفضها. وكان دور الأنبياء والرسل هو التذكير بما أمر به الله عباده من وعد ووعيد. ومن هنا جاءت قصص الأنبياء تحمل دعوة «واحدة» يشتركون في حملها.

يمكننا اختزال هذه الوحدة فيما أسميناه «الأنموط» وهو النموذج أو النمط الأعلى الذي ستسير عليه كل القصص القرآني المتصلة بالأنبياء والرسل، بغض النظر عن شخصياتهم وأقوامهم. نعثر على هذا الأنموط في سورة يس، مثلا، حيث يأمر الله نبيه بضرب مثل «أصحاب القرية، إذ جاءها المرسلون» (يس، 13). لم يتحدد لنا في هذه القصة اسم الشخصيات النبوية، ولا اسم الأقوام ولا اسم المكان الذي تواجدوا فيه. إن عدم التحديد هنا مطلق على أن اللامحدد يصدق على أي مُتعيَّن في علاقته برفض الدعوة الواحدة. لقد بعث الله رسولين «فكذبوهما»، وليس واحدا فقط، «فعززنا بثالث، فقال: إنا إليكم مرسلون. قالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون» (يس، 15). توعد القوم الرسل، واتهموهم بالكذب، «وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال: يا قوم اتبعوا المرسلون» (يس، 20). وكانت النهاية: «إن كانت إلا صيحة واحدة، فإذا هم خامدون» (يس، 29).

يختزل هذا الأنموط كل القصص النبوي فإذا هي تقوم على وحدة بداية القصة المتعددة بتعدد الأقوام الذين يشتركون في تعرضهم للعقاب الدنيوي في النهاية، عكس القصة النبوية التي تظل نهايتها مفتوحة.

*كاتب من المغرب

إرسال التعليق

You May Have Missed