الزليج الفاسي: تراث يقاوم الزمن وتحديات المكننة

الزليج الفاسي: تراث يقاوم الزمن وتحديات المكننة

في فاس، يقف الزليج البلدي الفاسي اليوم شامخًا كشاهد على إبداع إنساني عاش قرونًا، يحكي قصص أيادٍ صنعت الجمال من تراب الأرض. لكن هذا التراث، الذي ينبض بروح المغرب، يواجه اليوم تحديات تهدد وجوده.

في لقاء جمع رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس-مكناس، السيد ناجي فخاري، بوفد من الفدرالية المغربية للزليج البلدي، تكشفت هموم هذا القطاع العريق، وتجلت آماله في الحفاظ على هويته. هذا المقال يأخذكم في رحلة عبر أزقة فاس، لنرى معًا كيف يصارع الزليج الفاسي ليبقى رمزًا للجمال والأصالة.

الزليج: روح الأصالة في مواجهة المكننة

في مقر غرفة الصناعة التقليدية بفاس، كان اللقاء الذي جمع رئيس الغرفة ونوابه مع وفد الفدرالية المغربية للزليج البلدي، يوم الأربعاء 27 غشت 2025، كان بمثابة جرس إنذار. لم يكن الحديث مجرد نقاش إداري، بل كان صوتًا ينبع من أعماق التراث، يحمل قلقًا مشروعًا حول إدخال المكننة في قطاع الزليج التقليدي. هذا القطاع، الذي يمثل أكثر من مجرد مهنة، هو نسيج من الذاكرة الجماعية، وجسر يربط الماضي بالحاضر، يحمل في طياته قصص أجيال من الحرفيين الذين نقّبوا في الطين ليصنعوا تحفًا فنية تزين القصور والمساجد.

المكننة، التي قد تبدو للبعض تقدمًا، تحمل في طياتها تهديدًا لروح هذا الفن. فالآلة، مهما بلغت دقّتها، لا تملك قلب الحرفي الذي ينفث في كل قطعة زليج حياةً وحكاية. إدخال الآلات قد يقلل التكاليف، لكنه يهدد بطمس هوية ثقافية، ويحرم أيادٍ ماهرة من لقمة عيشها، ويفقد المغرب جزءًا من روحه اللامادية. كيف يمكن لآلة أن تحاكي شغف الحرفي الذي يقضي ساعات في تشكيل الطين، وكأنه ينحت قدره؟

محطة معالجة الطين: أمل يتشكل من التراب

في خضم التحديات، يبرز مشروع محطة معالجة الطين كشعاع أمل. هذا المشروع، الذي حظي بدعم أعضاء الفدرالية، يعد خطوة نحو استدامة القطاع. معالجة الطين بطرق حديثة وصديقة للبيئة قد تخفف من أعباء الحرفيين، وتضمن جودة المادة الخام التي هي عصب هذا الفن. لكن الأمل لا يكتمل إلا بتضافر الجهود. فالطين، كما الإنسان، يحتاج إلى يد حانية تشكله، وإلى بيئة تدعم استمراريته.

 يتجدد إذن بهذا   الحلم توفير فضاءات عمل تليق بالحرفيين. لكن هذا الحلم يصطدم بواقع سعر القطع الأرضية المرتفع، الذي يبلغ 500 درهم للمتر المربع. هذا الرقم، الذي قد يبدو عاديًا في سياق تجاري، يمثل عبئًا ثقيلًا على كاهل الحرفيين، الذين يعيشون من عرق جبينهم. وطالب أعضاء الفدرالية بتخفيض السعر إلى 300 درهم، في خطوة تعكس إدراكهم لأهمية تمكين الصناع من فضاءات عمل تليق بمهارتهم وتاريخهم. هذا الطلب ليس مجرد رقم، بل صرخة للحفاظ على قطاع يمثل جزءًا من هوية المغرب.

دعم الغرفة: وعد بالحفاظ على الإرث

إن موقف غرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس-مكناس  نحسبه التزاما واضحا بالوقوف إلى جانب الحرفيين. فالسيد ناجي فخاري ونوابه أكدوا دعمهم المطلق، معربين عن استعداد الغرفة لتبني مبادرات ملموسة تحمي القطاع من تحديات المكننة، وتضمن استمراريته كركيزة اقتصادية وثقافية لتراث يمثل روح فاس وجوهر المغرب.

أما نحن فنقول إن الزليج الفاسي ليس  قطع طينية مزخرفة، بل حياة تنبض في أزقة فاس، وذاكرة تحكي عن شعب أبى إلا أن يصنع الجمال من تراب الأرض. لكن هذا الجمال يواجه تحديات تتطلب وعيًا جماعيًا، ومسؤولية مشتركة. فهل سنترك المكننة تطمس هويتنا، أم سنكون أوفياء لوعودنا ولإرثنا؟ وكيف يمكننا أن نحمي هذا التراث دون أن نفقد روح الإبداع التي صنعت أصالته؟ وما هو دور كل منا في الحفاظ على هذا الموروث الذي يربطنا بجذورنا؟

دعونا نكن أمناء على هذا الإرث، لا بحنين إلى الماضي فحسب، بل بعمل دؤوب يضمن له مكانًا في المستقبل. فلنحمل معا مشعل الكلمة النبيلة، ولنزرع في كل زليجة حياة، كما فعل أجدادنا، ولنكن نحن أيضًا صانعي الجمال الذي يحكي قصة المغرب.

• الناشر  :   ” عندنا.. للخبر وجه آخر”

annachir.com

chabab.presse@gmail.com

WhatsApp :0661835959

إرسال التعليق

You May Have Missed