مقابلة مع واقع مقاطعة سايس في دورة شتنبر 2025: أي حصيلة، وأي أفُق؟
في صباح الخميس 4 شتنبر 2025، التقى مجلس مقاطعة سايس في دورة عادية بمقره، على الساعة العاشرة صباحًا، ليطرح للنقاش ثمانية بنود، تمت مقاربتها بوحي من المسؤولية والواجب، بلغة المؤسسة والتدبير المحلي.
ولئن كانت بعض النِّقَط إداريّة وتقنية بحتة، فإنّ المتأمّل يجد وراءها إشارات تدلّ على تحدّيات النقل المدرسي، الاستعداد للدخول المدرسي، النظافة العمومية، أو حتى تحديث الهيكلة التنظيمية للمقاطعة، والبحث عن أسماء جديدة للشوارع والأزقة.
ما بين تقرير عن الأنشطة ومراجعة الحسابات، ونقاش المدارس ومسألة النظافة، كان القاسم المشترك هو الاستفهام: كيف نجعل التدبير المحلي أقرب إلى المواطنين، وأفضل تمثيلاً لاحتياجاتهم الحقيقية؟
وفي هذا المقال نحاول استقراء الوقائع، وتحليل المضامين، وطرح التساؤلات التي تأخذ القارئ إلى ما وراء الجدول، إلى ما وراء البروتوكول، إلى بضعة بصمات من الحضور أو الغياب، من الإنجاز أو الانتظار، ومن السؤال الكبير: أي خدمة للمدينة، وأي خدمة للإنسان؟
أولاً: عرض تقرير النشاط وأداء اللجن الدائمة
افتُتِحَ الاجتماع بكلمة لرئيس المجلس، الأستاذ الدكتور حميد فتاح، الذي شكر الحضور من الموظفين والموظفات، ومن رؤساء اللجن وكاتبة المجلس، قبل أن يكشف عن تقرير مفصّل عن نشاط المجلس ما بين الدورتين الأخيرتين.
ثمّ تلت الحاجة عرض لتقارير اللجن الدائمة: لجنة الشؤون المالية والاقتصادية، لجنة شؤون البيئة والتعمير، لجنة الشؤون الثقافية والاجتماعية… وهو مؤشر على أن العمل اللجني يحظى بمتابعة واستمرارية.
لكن هل تكفي هذه المتابعة؟ هل تُترجَم الاجتماعات والتقارير إلى نتائج ملموسة على الأرض كما تتمنى الساكتة؟ هذا هو السؤال الذي يبرز سريعًا عند النظر إلى النقاط التالية في جدول الأعمال.
ثانيًا: الحساب الأدائي لسنة 2026 ومراجعة أولية لمسار الصرف
جاءت نقطة الدراسة والتصويت على مشروع حساب النفقات للسنة المالية 2026 بعد مذكّرة تقديمية من السيدة كاتبة المجلس، تضمنت مقترحات حذف بعض البنود التي لم تُصرف، وزيادة الاعتمادات في بنود أخرى، مثل صيانة الطرقات، تهيئة المناطق الخضراء، وشراء المعدات المعلوماتية.
فتح النقاش بين الأعضاء والعضوات، وسُمح لكل صوت بالتعبير عن استفسار أو اقتراح أو تغيير، قبل أن تُعرض المسألة للتصويت، فتمت المصادقة عليها بأغلبية مطلقة.
من زاوية تدبير المال العام، من الإيجابي أن يُعيد المجلس النظر في توزيع الاعتمادات، وأن يُحدث تكيفًا بين ما وقع إنفاقه فعلاً وما كان متوقعًا أو منخفض الإنتاجية.
ولكن ثمة جانب ينبغي الانتباه إليه: هل ستكون الزيادة في التجهيز المعلوماتي وتحسين البنية التحتية للطرق والمناطق الخضراء متناسبة مع طريقة تنفيذها ومراقبتها لضمان الشفافية والفعالية؟
ثالثًا: الدخول المدرسي في المقاطعة
تطرّقت الجلسة إلى وضعية الدخول المدرسي بإقليم المقاطعة، حيث قدّم السيد محمد لكحل، ممثل وزارة التربية الوطنية، عرضًا مفصّلًا مستندًا إلى أرقام مُحدّثة.
ثمّ انفتح النقاش بين عضوات وأعضاء المجلس، الذين طرحوا مجموعة من الملاحظات النقدية والمقترحات العملية، وسعوا إلى بلورة توصيات قد تسهم في تعزيز جودة التعليم والتقليص من التفاوتات داخل تراب المقاطعة.
هذه الجلسة تُعدُّ ذات بعد إنساني واجتماعي مهم: فالمدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل فضاء لإنتاج الفرص، وتقليص الفوارق، وتمكين الفئات الأكثر هشاشة من حقها في تنمية عقلية وسلوكية تواكب متطلبات العصر.
ولكن يبقى التساؤل مطروحًا: ما هي المخرجات الملموسة لهذا النقاش؟ هل سيتم إقرار تدخلات محددة، أو النهوض ببرامج دعم مميز للمدرسة العمومية في سايس؟ وهل سترافق هذه البرامج متابعة محكمة تُحسّن الأداء وتحدّ من الفوارق؟
رابعًا: تحويل الاعتمادات وبرمجة سنة 2025
عرضت السيدة كاتبة المجلس مذكرة حول تحويل اعتمادات من المبالغ المرصودة للسنة الجارية، الأمر الذي أثار نقاشًا مستفيضًا بين أعضاء المجلس. بعد المداولات، صُوّت بالإجماع على تحويل تلك الاعتمادات.
الاجماع يُعد حظًا سياسيًا مهمًا، ويُشير إلى إقرار واسع بالتغييرات المقترحة. غير أن التأمل في هذه الخطوة يُثير أكثر من علامة استفهام: هل التحويلات أتت نظرًا لظرفية طارئة، أم أنها تعكس أخطاء تقديرية في التوقعات السنوية؟ وهل لذلك أثر على مرونة التدبير، أو على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين؟
خامسًا: إعادة تنظيم الهيكل الداخلي للمقاطعة
السيد مدير المصالح قدّم عرضًا حول أهمية تعديل الهيكل التنظيمي لمقاطعة سايس، مُشيرًا إلى ضرورة ملاءمته مع المقتضيات القانونية، خصوصًا المادتين 231 و236 من القانون التنظيمي عدد 113.14، الذي —كما ورد في المداخلة— لا يمنح اختصاصًا للمقاطعة في مجال الوقاية الصحية، لاسيما وأن المادة 83 من نفس القانون تُخَصّص هذه الصلاحية للجماعة.
منطق هذا التعديل يبدو سليمًا: مقاربة التسيير الإداري لا بد أن تنضبط للإطار القانوني، وأن تتكيّف معه لضمان وضوح المسؤوليات وفصلها، وتجنّب التضارب أو الغموض في إسناد المهام، ما يمكن أن يُحسّن الأداء ويُقلّص البيروقراطية.
لكن في نفس الوقت، يبقى السؤال الأخلاقي والاستراتيجي: هل سيكون التعديل مجرد تجميل إداري، أم أنه خطوة أساس نحو تمكين المقاطعة من خدمة المواطنين بما يتناسب مع مقتضيات القانون والتنظيم؟ وهل سيُرافق هذا التعديل تدريب وإعادة تأهيل للموارد البشرية، أم سيبقى الإطار شكليًا بلا مضمون حقيقي؟
سادسًا: تسمية الشوارع والأزقة، وتأجيل النقاش حول النظافة
في نقطةٍ أخرى من جدول الأعمال، تمّ اقتراح أسماء جديدة للشوارع والأزقة بتراب المقاطعة، وناقشت لجنة شؤون التعمير والبيئة المذكرة المرفوعة، قبل أن تُعرض للتصويت، فتمّت المصادقة عليها بأغلبية أعضاء المجلس.
تسمية الشوارع ليست مجرّد مسألة رمزية أو تقنية: إنها تعبير عن ذاكرة جماعية، وعن رغبة في إضفاء هوية على الفضاءات الحضرية، وربطها بجذورها التاريخية والثقافية، بل وربما بإعادة الاعتبار لمدن ومواقع وإنسان.
ومن اللافت أن نقطة النظافة العامة، التي تُعد من قضايا التدبير المحلي الأساسية وحاضرة في الحياة اليومية للمواطنين، قد تمّ تأجيل مناقشتها. التأجيل يمكن أن يكون منطقيًا في بعض الحالات، لكنّه يثير أسئلة عن أولويّة المقاربة: هل النظافة تُعدّ أولوية حقيقية في خطة العمل، أم أنها تُترك دومًا في مقام الحلول الثانوية؟ و هل التهيئة الرمزية للفضاءات تأتي قبل التهيئة المادية والخدماتية؟
خاتمة: من التدبير إلى الأداء، ومن النقاش إلى المُساءلة
إذا ما عدنا إلى ما عقدته دورة شتنبر 2025 لمجلس مقاطعة سايس، فإنّ ما حققه المجلس مهم، لكنه ليس كافيًا. التحويلات المالية، تعديل الهيكل الإداري، نقاش الدخول المدرسي، تسمية الشوارع: كلها خطوات ضرورية، لكنها تحتاج إلى أن تُترجَم إلى مخرجات حقيقية، ملموسة، تُحسّن حياة المواطنين وتُقرب الخدمات منهم، وتُعزّز الثقة في المؤسسات المحلية.
ويظلّ السؤال الأكبر مفتوحًا: هل سيكون المستقبل في سايس رهين بالتدبير المحلي المرتبط بالواقع، أم سيبقى مجرد جدول أعمال يُنفّذ جزئيًا أو يتأجّل أو يُعيد النظر فيه بمعيار «الإمكانيات»، دون أن يُواكبها معيار “الحاجة الفعلية للساكنة” و”الحق في الخدمات الأساسية”؟
إنّ الكلمة النبيلة تقتضي منّا أن نطرح هذا السؤال، وأن نترك للمواطن والمواطنة في سايس الحق في المُساءلة والمواكبة: فمردودية المجالس لا تقاس بكثافة الجداول ورسمية البروتوكولات والاجراءات بل تقاس بالأثر الذي تحدثه في حياة الناس.
• الناشر


إرسال التعليق