مغرب الرعاية: 49 مركزًا صحيًّا جديدًا… هل هي بداية عهد جديد؟
في يوم الجمعة 24 أكتوبر 2025، استيقظ المغرب على بشرى انطلاق خدمة صحية أقرب إلى المواطن، حين أُعلن رسمياً دخول 49 مركزًا صحيًّا حضريًا وقرويًا حيز الخدمة في تسع جهات بالمملكة، في خطوة تُحسب ضمن ورشة الإصلاح الكبرى التي يقودها جلالة الملك محمد السادس لإعادة الاعتبار لمنظومة الرعاية الصحية الأولية.
هذه المرة ، لا نفتتح مراكز أو منشآت فحسب ، بل نضع لبنة في بناء دولة صحية تُسعِد الفرد والمجتمع، وتُضفي بعدًا إنسانيًا على مفهوم “الخدمة العامة”.
البلاغ الرسمي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية يوضّح أن هذه المراكز الجديدة ليست مبادرات عشوائية أو ردود أفعال مؤقتة، بل تجسيد لبرنامج حكومي طموح يُروم من خلاله تأهيل وإعادة بناء وتجهيز نحو 1400 مركز صحي في أقاليم المملكة. هي دعوة إلى العدالة الصحية وقَول رافض للتفاوتات المجالية التي سُجّلت على مدى عقود.
وعلى الأرض، يتوزّع هذا الإنجاز بين الجهات كالتالي: جهة مراكش–آسفي تستفيد بـ11 مركزًا جديدًا، وجهة الشرق بـ10 مراكز، وجهة الدار البيضاء – سطات بـ8 مراكز، جهة سوس – ماسة بـ6 مراكز، جهة بني ملال – خنيفرة بـ5 مراكز، جهة طنجة – تطوان – الحسيمة بـ4 مراكز، وجهتي الرباط – سلا – القنيطرة ودرعة – تافيلالت بمركزين لكلٍّ منهما، وأخيرًا مستوصف صحي واحد في جهة العيون – الساقية الحمراء.
لكن الاستهلال وحده لا يكفي. فلتُكتب هذه المراكز أسماءً على خارطة الخدمة الإنسانية، وتطوي الأشواط نحو الرعاية المتقاربة، فالانجازات الحقيقية ستقاس بجودة العمل، وكفاءة الطاقم، وتجاوب البُنى التحتية مع تطلعات المواطنين. ولهذا، جُهّزت هذه المراكز بمعدّات طبية عالية الجودة، وجرى تعبئة نحو 230 إطارًا صحيًّا من أطباء وممرضين وتقنيين، ليكونوا في الموعد مع التاريخ، يترجمون الوعد إلى حقيقة ملموسة.
ما بين خلية المريض، وقاعة الاستقبال، ومختبر التشخيص، وصالة التوعية والتحسيس.و تُشرَع هذه المراكز لتقديم سلة خدمات متكاملة: فحوصات طبية، معالجة تمريضية، متابعة الأمراض المزمنة كداء السكري وضغط الدم، رعاية الأم والطفل، الصحة المدرسية، التوعية، واليقظة الوبائية، بل وحتى الصحة المتنقلة في المناطق النائية.
أمام هذه اللحظة التي قد تكون نقطة تحول، علينا أن نرى ما بعد الافتتاح: هل ستُعامل هذه المراكز كمشاريع تُستنزف، أم كمرافق تُنمَّى؟ هل ستُراقَب بمقاييس صارمة، أم تُترَك في دهاليز البيروقراطية؟
وفي نهاية هذا المشهد الصحي الذي يُشرق من بين الركام، لا يسعنا إلا أن نُدرك أن بناء المراكز لا يعني بالضرورة بناء الإنسان، ما لم تُزرع في الجدران روح العدل، وما لم يُسكب في الممرات دفء الرحمة. فالصحة ليست مبنى يُشيَّد، بل ميثاق شرف بين الدولة والمواطن، بين الطبيب وضميره، بين المريض وحقه في الكرامة.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يحققه هذا المشروع، أن يعيد إلى الإنسان ثقته في يد تمتد لتُسعفه، لا لتُهمله، وأن يوقظ فينا جميعًا الإحساس بأننا شركاء في شفاء الوطن قبل أوجاع الأجساد.
إننا بحاجة إلى وعيٍ لا يُهادن، وعملٍ لا يُداهن، وإيمانٍ بأن الوطن يُبنى كل يوم من قلبٍ صادق وضميرٍ يقظ.
فهل نقدر أن نجعل من كل مركزٍ صحيٍّ منارة للكرامة قبل العلاج؟ وهل نستطيع أن نحول الإصلاح من ورقٍ يُعلّق إلى واقعٍ يُعاش؟
ذلك هو التحدي الحقيقي… أن نزرع في الإنسان معنى الشفاء، لا مجرد وصفته.
* الناشر >> “عندنا…للخبر وجه آخر”
annachir.com
chabab.presse@gmail.com
WhatsApp :0661835959



إرسال التعليق