الوعي اولا في مواجهة داء العصر الصامت: بفاس، مكافحة السل بين طب الوقاية ومسؤولية المجتمع..

الوعي اولا في مواجهة داء العصر الصامت: بفاس، مكافحة السل بين طب الوقاية ومسؤولية المجتمع..

في زمن تتسارع فيه التحولات الصحية، يعود داء قديم ليذكرنا بان المعركة مع الامراض لا تنتهي، وان الوعي هو خط الدفاع الاول قبل الدواء واكثره ثباتا. داء السل، ذلك المرض الذي عرفه العالم منذ قرون، لم يغادر المشهد بعد، لكنه اليوم يخضع لرقابة اشد، وقراءة ادق، ورؤية وطنية تسعى الى تحويل التحدي الى ورش وقائي مستدام. وفي هذا السياق جاء الاجتماع التنسيقي الذي احتضنه المركز الجهوي للتكوين المستمر بفاس، والذي لم يكن مجرد لقاء تقني، بل لحظة لالتقاط الصورة الكبرى: اين نقف من مكافحة السل، والى اي مدى تتقدم الجهود في جهة فاس مكناس، وكيف يمكن تعميق روح التنسيق لتصبح الوقاية ثقافة لا استجابة ظرفية.

لقد طرحت خلال اللقاء معطيات دقيقة حول الحالة الوبائية، والمراحل التي قطعتها خطط العمل المعتمدة على مستوى المندوبيات الاقليمية، اضافة الى التحديات التي ما تزال تفرض نفسها وعلى رأسها التكفل بالمصابين بالسل المقاوم للادوية ذات النطاق الواسع. كما تمت مناقشة تنزيل الدورية الوزارية التي تهدف الى تعزيز التكفل بالمريض وتحسين مسارات العلاج وربط الجهود بين المتدخلين. وكان لافتا بروز النظام المعلوماتي ISILAT DataToCare كاداة تنظيمية تعزز وضوح الرؤية وتسمح بالتتبع المستمر لما يجري على الارض، وهو ما يؤكد ان مكافحة السل لم تعد عملا تقليديا، بل ورشا متقدما يعتمد البيانات واليقظة ومقاربات متعددة المستويات.

لكن ما يجعل مثل هذه اللقاءات ذات قيمة حقيقية ليس فقط المعطيات الطبية والتقارير الميدانية، بل الروح التي تسكن خلفها. فالداء الصامت الذي ينتشر بين الفئات الهشة هو في جوهره قضية اجتماعية بقدر ما هو تحد صحي، ومسؤولية اخلاقية بقدر ما هي تقنية. وهذا يجعل التنسيق بين الفاعلين حاجة اساسية لا ترفا اداريا. لان مكافحة السل لا تنجح بالاجراءات المنفردة، بل بالتشارك، وبالقدرة على جعل المريض مركز العملية، وليس مجرد رقم في تقرير او خانة داخل نظام معلوماتي.

وتكشف المناقشات المتعمقة ان الجهود الوطنية، رغم تقدمها الكبير، ما تزال بحاجة الى دعم مجتمعي يساند المسار الصحي الرسمي. فالسل لا ينتشر بمعزل عن الظروف الاجتماعية، ولا ينحسر الا حين يندمج الوعي الصحي في حياة الناس. وهنا يبرز الدور الحيوي للجمعيات والفاعلين المحليين الذين يعملون على القرب، ويعرفون تفاصيل الواقع ويستطيعون مد الجسور بين المنظومة الصحية والمواطنين. فالقضية ليست فقط العلاج، بل الوصول، والاقناع، ومرافقة المرضى، ونشر ثقافة وقائية تمنح المجتمع حصانته قبل ان يطلبها من المؤسسات.

لقد كان واضحا من خلاصات الاجتماع ان الطريق الى الحد من انتشار السل تمر عبر مسارين متوازيين: تطوير الادوات الصحية وتحديث طرق التكفل، ثم بناء وعي اجتماعي يحول الوقاية الى سلوك يومي لا مجرد حملة ظرفية. ومع ان المعركة ليست يسيرة، فان توفر رؤية وطنية واضحة، ودعم دولي مستمر، وفرق ميدانية تعمل على مدار العام، يمنح الامل بان النجاح لم يعد حلما بعيدا.

ومع كل هذا يظل السؤال معلقا امام القارئ: ماذا نستطيع نحن ان نضيف في هذه المعركة. هل يكفي ان نقرأ الارقام وننتظر النتائج، ام اننا مدعوون لامتلاك وعي يحمي اسرنا ومجتمعنا. وكيف يمكن ان يتحول الالتزام بالصحة العامة الى ثقافة راسخة لا الى ردود فعل موسمية.

الناشر …”عندنا للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق

You May Have Missed