من ساحة جامع الفنا الى جدران المتحف: كيف حول محمد بن علال تفاصيل الحياة اليومية في مراكش الى ذاكرة فنية حية تقاوم النسيان
تحول متحف التراث اللامادي بجامع الفنا الى نقطة التقاء بين الذاكرة والحاضر، بين الفن بوصفه جمالا والفن باعتباره شهادة. هناك افتتح معرض محمد بن علال سرديات الحياة اليومية، بحضور فاعلين ثقافيين ومهتمين بالفن من المغرب وخارجه، في لحظة بدت اقرب الى اعتراف جماعي بقيمة فنان جعل من اليومي مادة خالدة للرؤية.
المعرض المنظم من طرف المؤسسة الوطنية للمتاحف بشراكة مع متحف بنك المغرب ومتحف المعدن للفن الافريقي المعاصر، يقترح قراءة بصرية لذاكرة مراكش الشعبية، كما عاشها الناس في الاسواق والبيوت والساحات والاحتفالات والطقوس البسيطة التي تصنع جوهر المدينة. فمحمد بن علال، الرسام العصامي الذي ولد في مراكش، يرسم المدينة من داخلها، من نبضها اليومي، ومن تفاصيلها الصغيرة التي غالبا ما تفلت من عدسة التوثيق الرسمي.
اختيار متحف التراث اللامادي بجامع الفنا لاحتضان المعرض لم يكن اعتباطيا، فهنا حيث الحكاية الشفوية، والحضور الانساني الكثيف، والتبادل الرمزي بين الاجيال، تتجاور لوحات بن علال مع روح المكان. اعماله تقدم كنوع من الارشيف الحسي، حيث تتحول الالوان والاشكال الى ذاكرة مرئية، توثق انماط العيش والتعايش، وتستعيد ايقاع المدينة كما تشكل عبر الزمن.
في مسار المعرض، يكتشف الزائر عالما سرديا متكاملا، كل لوحة فيه مقطع من حكاية جماعية. شخصيات تواجه المتلقي بواجهاتها الامامية، فضاءات مسطحة ترفض المنظور الكلاسيكي، والوان كثيفة تحيل الى حرارة الحياة الشعبية. هذه اللغة التشكيلية الخاصة تسعى الى الحكي، وكأن اللوحة تنطق بما كانت ترويه الاصوات في الساحات والاسواق.
وفي هذا السياق، اكد رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف المهدي قطبي ان المعرض يبرز دور الفن كذاكرة حية ووسيلة لنقل التجربة الانسانية، مشيرا الى ان محمد بن علال استطاع من خلال مشاهد بسيطة ان يقدم رؤية متفردة لمراكش، تمزج بين عمق الاصالة الشعبية وحس حداثي صادق. من جهته، توقف جاك لانغ رئيس معهد العالم العربي بباريس عند القوة التعبيرية لاعمال الفنان، معتبرا ان بساطة الاسلوب لم تمنعه من التقاط جوهر الحياة الشعبية وجعلها ذات بعد كوني.
ما يقدمه هذا المعرض يتجاوز الاحتفاء بفنان، ليطرح سؤالا اعمق حول علاقة الفن بالذاكرة، وحول قدرة الصورة على حفظ ما تعجز عنه الكلمات. فبن علال، الذي بدأ الرسم في سن مبكرة، سعى الى تثبيت لحظات عابرة، وتحويلها الى شواهد بصرية تقاوم النسيان.
اليوم، وبعد عقود من رحيله، تعود اعماله لتقول ان الفن حين ينحاز للانسان البسيط، ويصغي لنبض الحياة اليومية، يصبح وثيقة ثقافية، وجزءا من التاريخ غير المكتوب. هكذا يخرج الزائر من المعرض وهو يدرك ان مراكش التي رسمها محمد بن علال هي ذاكرة حية تواصل سرد نفسها بالالوان.
• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق