ابن خلدون يؤرخ لصناعة الازمات عبر عبقرية الفكر و القوانين الخفية للتاريخ
في الرباط، كانت المحاضرة التي قدمها الباحث مهدي اغويركات قراءة في كتاب جديد، كانت نافذة فكرية اعادت طرح سؤال قديم متجدد حول علاقة الازمات بالافكار الكبرى، وكيف يتحول المفكر من شاهد على عصره الى مؤسس لقوانين تتجاوز زمنه. من هذا المدخل، اقتفى اغويركات مسارات ابن خلدون، باعتباره مفكرا مغاربيا تشكل وعيه في قلب العواصف السياسية والاجتماعية التي هزت العالم الاسلامي في القرن الرابع عشر.. الاطروحة المركزية التي دافع عنها الباحث خلال اللقاء الذي نظمه المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، تؤكد ان فكر ابن خلدون كان ثمرة تأمل ذهني ونتيجة احتكاك مباشر بواقع مأزوم، عالم يتداعى تحت ضربات الاوبئة والانقسامات والصراعات على السلطة. في هذا السياق، كان الطاعون الاسود في حياة ابن خلدون، لحظة وجودية فاصلة، اذ شكلت خسارته لافراد من عائلته واساتذته صدمة حضارية عميقة زرعت لديه شعورا بانتهاء دورة تاريخية كاملة، ودفعت به الى مساءلة المعارف السائدة والبحث عن منطق جديد لفهم المجتمع والتاريخ.
من هنا ولد علم العمران،كضرورة فكرية لفهم قوانين الاجتماع البشري، كما عرضها اغويركات في قراءته التحليلية. هذا المفهوم الخلدوني، المرتبط بكثافة السكان والاستقرار وانماط العيش، تميز عن الفلسفات الغربية المعاصرة له باعتماده الصارم على الملاحظة الميدانية، حيث انتبه ابن خلدون الى تفاصيل الحياة اليومية وتقنيات الجسد من اكل وجلوس وحركة، وربطها مباشرة بالسلوك الاجتماعي وببنية السلطة والتضامن داخل المجتمعات.
وفي هذا الاطار، توقف الباحث عند التقسيم الخلدوني الشهير بين البداوة والعمران، موضحا ان البداوة تحيل الى نمط وجود اجتماعي قائم على العصبية بوصفها رابطة قوة وتماسك. و لقد رأى ابن خلدون في المجتمعات البدوية نموذجا للصلابة والتحمل، نتاج حياة التقشف والاحتكاك الدائم ببيئة قاسية، وهو ما يمنحها قابلية للغلبة وبناء الدول قبل ان يصيبها الترف ويبدأ مسار الافول.
وخلص ابى ان الترحال الطويل الذي عاشه ابن خلدون بين حواضر المغرب والاندلس والمشرق، منحه بحسب اغويركات بصيرة مقارنة نادرة، مكنته من رصد تزامن الاحداث السياسية في مناطق متباعدة، وهو ما قاده الى قناعة حاسمة مفادها ان التاريخ يخضع لدورات متشابهة تتكرر وفق منطق يمكن رصده وتحليله. هذه الرؤية الدورية للتاريخ شكلت احدى الركائز الاساسية لعبقريته، ووضعت اسس قراءة علمية للوقائع بعيدا عن السرد البطولي او التبريري.
* الناشر ” عندنا..للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق