التعاونيات النسائية في مراكش اسفي تتحول من مشاريع صغيرة الى قوة اقتصادية محلية وتفتح ابواب الاستقلال المالي لالاف الاسر في قلب الجهة
في لحظة تختصر سنوات من العمل الميداني الهادئ، احتضنت مدينة مراكش حفلا لتسليم الدعم المالي لفائدة مئات التعاونيات النسائية المستفيدة من برنامج التاهيل والتمكين الاقتصادي للنساء حاملات المشاريع، في خطوة تعكس تحولا متدرجا في مقاربة التنمية المحلية، حيث اصبحت رافعة حقيقية لتحريك عجلة الاقتصاد المحلي وخلق فرص دخل مستقرة داخل الاسر والمجتمعات القروية والحضرية على حد سواء.
البرنامج الذي استفادت منه 436 تعاونية موزعة على مختلف عمالات واقاليم جهة مراكش اسفي، ويمس بشكل مباشر ما يقارب ثمانية الاف مستفيد ومستفيدة اغلبهم من النساء، يشكل نموذجا لشراكة مؤسساتية جمعت قطاعات حكومية وجهوية ومؤسسات تنموية في اطار رؤية تروم تحويل المبادرات الصغيرة الى مشاريع منتجة قادرة على الاستمرار والمنافسة، بدل الاكتفاء بتقديم مساعدات ظرفية سرعان ما تتلاشى اثارها.
وخلال الحفل، تم استعراض حصيلة البرنامج التي بينت ان الدعم المالي المخصص، والذي بلغت كلفته الاجمالية نحو ستة عشر مليون درهم، لم يوجه فقط لاقتناء معدات او تجهيز مقرات العمل، بل ترافق مع برامج تكوين ومواكبة تقنية وتنظيمية ساعدت التعاونيات على تحسين جودة منتجاتها وتطوير طرق التسويق والتسيير، وهو ما مكن عددا كبيرا من النساء من الانتقال من وضعية البحث عن مورد رزق محدود الى وضعية فاعلات اقتصاديات قادرات على خلق قيمة مضافة داخل محيطهن الاجتماعي.
وتنسجم هذه الدينامية مع التوجه الوطني نحو ارساء دعائم الدولة الاجتماعية القائمة على تكافؤ الفرص والادماج الاقتصادي، حيث يشكل تمكين النساء من ولوج عالم المقاولة والتعاونيات احد المفاتيح الاساسية لتحقيق تنمية عادلة ومتوازنة، خاصة في المناطق التي تعاني من محدودية فرص الشغل وارتفاع نسب الهشاشة الاقتصادية.
كما ابرز المتدخلون في هذا الحدث ان نجاح هذه التجربة يعود الى تكامل الادوار بين مختلف الشركاء، من سلطات جهوية ومجالس منتخبة ومؤسسات تنموية، الى جانب الدور المحوري الذي تلعبه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مواكبة التعاونيات عبر التكوين وتحسين جودة المنتوجات وفتح منافذ التسويق، بما يسمح باندماج هذه المشاريع في الدورة الاقتصادية بدل بقائها انشطة محدودة الاثر.
واللافت في هذه التجربة ان البرنامج اعتمد مقاربة تراعي خصوصيات كل اقليم وكل جماعة، حيث استفادت تعاونيات تنشط في مجالات متنوعة من الصناعات التقليدية والمنتجات المجالية الى الخدمات والانشطة الفلاحية، مما سمح بتثمين المؤهلات المحلية وخلق دينامية اقتصادية تنطلق من الواقع اليومي للسكان بدل استنساخ نماذج جاهزة.
في النهاية، يتبين ان دعم التعاونيات النسائية تحول الى مسار يمنح النساء فرصة حقيقية لبناء استقلال اقتصادي ينعكس مباشرة على استقرار الاسر وتحسين ظروف العيش داخل القرى والمدن، وهو ما يجعل من مثل هذه البرامج استثمارا طويل المدى في الانسان قبل ان يكون مجرد دعم مالي عابر، ورسالة واضحة مفادها ان التنمية الحقيقية تبدأ حين تمتلك النساء مفاتيح المبادرة والانتاج وصناعة الامل داخل مجتمعاتهن.
* الناشر ” عندنا..للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق