بين فاس وغرناطة: ثانوية عبد الرحيم بوعبيد – سايس تعيد اكتشاف المعنى العميق للتلاقي الثقافي..
في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية وتتقاطع فيه الهويات واللغات والمصالح، تظل المدرسة العمومية المغربية واحدة من اهم الحصون التي تراهن على بناء انسان منفتح على العالم دون ان يتخلى عن جذوره. ومن قلب فاس، المدينة التي حفظت عبر قرون طويلة ذاكرة الحضارات وتعاقب الثقافات، برزت ثانوية عبد الرحيم بوعبيد سايس في مشهد تربوي لافت، بعدما نجح النادي الاسباني المدرسي بالمؤسسة في خطف الانظار من خلال تنظيم تظاهرة ثقافية وتربوية حملت شعار “العلاقات المغربية الاسبانية اوجه التشابه والاختلاف فاس وغرناطة نموذجا”.
هذا الموعد الثقافي الذي احتضنته المؤسسة عشية يوم الاثنين 18 ماي 2026، بدا وكأنه رسالة تربوية عميقة تحاول اعادة الاعتبار لقيمة المعرفة والانفتاح والحوار بين الشعوب. فمنذ اللحظات الاولى لانطلاق الحفل، بدا واضحا ان الامر يتعلق بعمل تربوي متكامل اختارت له اللجنة المنظمة ان يكون فضاء للتفكير والتعبير والابداع.
فبعد افتتاح النشاط بكلمة ترحيبية وتلاوة ايات بينات من الذكر الحكيم، انطلقت فقرات الحفل في تناغم لافت بين اللغتين العربية والاسبانية، حيث امتزجت الاناشيد بالعروض الثقافية والتقديمات المعرفية التي سلطت الضوء على عمق العلاقات المغربية الاسبانية، وعلى الروابط الحضارية والانسانية التي جمعت بين الضفتين عبر التاريخ. ولم يكن اختيار فاس وغرناطة نموذجا اعتباطيا، فهاتان المدينتان تختزلان جزءا كبيرا من الذاكرة المشتركة بين المغرب والاندلس، بما تحمله كل واحدة منهما من ارث علمي ومعماري وروحي ما يزال شاهدا على قرون من التفاعل الحضاري.
لقد نجح المشاركون والمشاركات في تقديم صورة مشرقة عن المدرسة المغربية حين تحظى بالتاطير الجاد والرؤية التربوية الواعية. فالعروض المقدمة حملت روحا ابداعية تعكس قدرة الناشئة على استيعاب قيم الحوار الثقافي والتعايش والانفتاح. كما برزت من خلال هذه التظاهرة ملامح مدرسة جديدة تحاول ان تجعل من الانشطة الموازية رافعة حقيقية لصقل شخصية المتعلم، وتعزيز ثقته بنفسه، وربطه بقضايا الثقافة والفكر والهوية.
ولعل ما منح هذا النشاط قيمته الرمزية ايضا، هو كونه جاء ليؤكد ان المؤسسات التعليمية بجهة فاس مكناس تعيش على وقع دينامية ثقافية وفنية متنامية، تسعى الى تجاوز الصورة النمطية التي تختزل المدرسة في الامتحانات والنقط فقط. فهناك اليوم وعي متزايد بان التربية الحقيقية لا تبنى داخل الفصول وحدها، بل تصنع ايضا في المسارح المدرسية، وفي النوادي الثقافية، وفي لحظات الحوار والانشاد والابداع الجماعي.
لقد كان هذا النشاط بمثابة نافذة امل صغيرة في وجه زمن يهدد فيه التشتت الرقمي والسطحية ذاكرة الاجيال الجديدة. فحين يقف تلاميذ في مقتبل العمر ليتحدثوا عن الحضارات المشتركة وعن قيمة التواصل بين الشعوب، فان الامر يتجاوز حدود النشاط المدرسي نحو محاولة اعادة بناء الانسان القادر على فهم العالم بلغة الثقافة لا بلغة الصدام .إنسان في ريعان الشباب قادر على صناعة الجمال حين يجد ارادة صادقة من إدارة رشيدة تسانده وتوجهه بوعي وحكمة .
• الناشر



إرسال التعليق