إفريقيا تنبض بالشباب: فاس تحتفي بدينامية القارة ومستقبلها
قلب إفريقيا ينبض في فاس
في مدينة فاس، عاصمة العلم والروح، تجمّع شباب إفريقيا تحت سماء يونيو 2025، ليرسموا بأحلامهم وطاقاتهم لوحة مستقبل قارة تتنفس الأمل. ففي الدورة الثالثة لـ”أسبوع إفريقيا”، التي احتضنتها الجامعة الأورومتوسطية، لم تكن الأضواء مسلطة على الشباب فحسب، بل كانت تعكس إيمانًا عميقًا بأن هؤلاء الشباب هم شريان الحياة ومفتاح الغد. في زمن تتقاطع فيه التحديات مع الفرص، ويأتي هذا الحدث كصوت يقظ يذكّرنا بأن إفريقيا ليست مجرد قارة، بل حلمٌ يتشكل على أيدي أبنائها.
هذا المقال ليس سردًا لوقائع، بل دعوة لتأمل عميق في مسؤوليتنا تجاه قارة تتطلع إلى أن تكون أكثر من مجرد وعد. إنه حوار مع القارئ الذي يرى بقلبه قبل عينيه، ويحمل في ضميره همّ الكلمة النبيلة.
شباب إفريقيا: ثروة القارة الحقيقية
تحت شعار “الشباب، مستقبل إفريقيا”، انطلقت فعاليات أسبوع إفريقيا في فاس يومي 11 و12 يونيو 2025، بحضور دبلوماسيين من دول إفريقية، وخبراء، وفنانين، وطلبة، جميعهم يجمعهم إيمان واحد: الشباب هم عماد النهضة الإفريقية. في كلمته الافتتاحية، وصف رئيس الجامعة الأورومتوسطية، مصطفى بوسمينة، الشباب بـ”الثروة الحقيقية” للقارة، مشددًا على ضرورة تمكينهم من بيئة تُطلق طاقاتهم وتُحفز إبداعهم.
كلماته لم تكن مجرد خطاب، بل صورة حية لإفريقيا التي تتحرك بخطى واثقة نحو الريادة. فالشباب، كما الريح التي تحمل بذور الحياة، يحتاجون إلى تربة خصبة من التعليم والتكنولوجيا ليغيروا وجه القارة. لكن، هل نحن، كمجتمعات ومؤسسات، نزرع هذه التربة بحق؟ أم أننا نكتفي بإلقاء الشعارات ونترك البذور لتذبل؟
المغرب: نموذج يُلهم القارة
في قلب الحدث، برز المغرب كنموذج رائد في الاستثمار في الإنسان. من صناعة السيارات إلى الطاقات المتجددة، ومن الفلاحة إلى الطيران، أشار بوسمينة إلى الإنجازات التي جعلت المملكة ثاني أكبر مستثمر إفريقي في القارة. لكن الريادة الحقيقية، كما أكد، تكمن في التعليم والتكنولوجيا.
الجامعة الأورومتوسطية، التي تأسست بمبادرة ملكية مستنيرة، ليست مجرد صرح أكاديمي، بل رمز لالتزام المغرب بمشاركة خبراته مع إفريقيا. منذ إنشائها، باتت الجامعة وجهة للطلبة الأفارقة، ومنارة للابتكار بفضل مدرسة الذكاء الاصطناعي الأولى من نوعها في القارة ومنصتها الرقمية المتطورة. هنا، يتجسد المثل القائل: “إذا أردت أن تطعم إنسانًا يومًا، فامنحه سمكة، لكن إذا أردت أن تطعمه عمرًا، فعلّمه الصيد”.
المغرب، بهذا النهج، لا يمنح إفريقيا سمكة، بل يعلّمها كيف تصنع شبكتها الخاصة. لكن، كيف يمكن لدول أخرى أن تستلهم هذا النموذج؟ وما الذي يمكن أن يفعله الشباب ليحولوا هذه الرؤية إلى واقع ملموس؟
إفريقيا: قارة الصمود والأمل
وفي كلمة مؤثرة، تحدث سفير جمهورية الكونغو الديمقراطية، هنري مانغايا يانغي موندوفا، عن إفريقيا كـ”مهد التاريخ وأرض الثقافات الحية”. لكنه لم يغفل التحديات: الفقر، نقص البنية التحتية، والصحة. مع ذلك، أكد أن إفريقيا ليست قارة اليأس، بل “قارة الصمود والتفاؤل”. شبابها، بطاقتهم المتفجرة، هم الوقود الذي سيحرك عجلة التنمية.
كلماته، كالنهر الذي يجري بين ضفتي الواقع والحلم، تحمل دعوة للتركيز على الطاقات المتجددة، الفلاحة، والثقافة. فإفريقيا، كما وصفها، ليست مجرد سوق اقتصادي، بل شريك عالمي يملك صوتًا قويًا. لكن، هل نسمع هذا الصوت حقًا؟ وهل نمنح الشباب منصة ليصدحوا به؟
تراث وإبداع: احتفاء بالهوية الإفريقية
لم يكن الحدث مجرد نقاشات أكاديمية، بل لوحة فنية مفعمة بالحياة. عروض الأزياء والموسيقى التي زيّنت الحفل كانت بمثابة مرآة عكست غنى التراث الإفريقي. الألوان الزاهية، والنغمات التي تحمل أصداء التاريخ، والمنتجات الحرفية التي تحكي قصص شعوب القارة، كلها كانت رسالة مفادها: إفريقيا ليست مجرد جغرافيا، بل روح تتجدد مع كل جيل.
هذا الاحتفاء بالهوية يذكّرنا بأن التنمية لا تعني التخلي عن الجذور، بل استلهامها لصناعة مستقبل يحترم الماضي. كيف يمكن للشباب أن يوازنوا بين الحداثة والأصالة؟ وكيف يمكن لنا، كمجتمعات، أن ندعم إبداعهم دون أن نكبلهم بقيود التقليد أو التقليد؟
خاتمة: مسؤولية الكلمة والحلم
في فاس، لم يكن أسبوع إفريقيا مجرد حدث عابر، بل كان لحظة تأمل وإلهام. إنه دعوة لنا جميعًا—شبابًا، صنّاع قرار، ومواطنين—لنحمل مشعل المستقبل بضمير يقظ. إفريقيا ليست مجرد قارة تنتظر التنمية، بل حلم يتشكل بأيدي شبابها، بدعم من رؤى مستنيرة كتلك التي يقودها المغرب.
لكن الحلم لا يكتمل بالكلمات وحدها. إنه يحتاج إلى أفعال، إلى إيمان، إلى ضمير يرفض الخنوع للتحديات. فلنطرح على أنفسنا: كيف يمكننا أن نكون شركاء حقيقيين في بناء إفريقيا الغد؟ كيف نزرع في شبابنا الثقة بأن أحلامهم ليست مجرد وهم، بل بذور قابلة للإنبات؟ وكيف نحمل الكلمة النبيلة كمشعل يضيء دون أن يحرق، ينقد دون أن يجرح، ويوجه دون أن يفرض؟
إفريقيا تنتظرنا، ليس كمتفرجين، بل كصنّاع أمل. فلنكن عند حسن ظنها.
• الناشر

إرسال التعليق