أصوات الوطن… من مكناس ترسم الألوان وتدق طبول ذاكرة المغرب
حين يُزهر الوجدان زجلاً ومسرحًا… الكلمة تلبس جلباب التراث”
من قال إن الوطن يُختصر في حدودٍ وجغرافيا؟
أحيانًا، تجد المغرب كله في لوحة. في طبلةٍ تُقرَع بحنين. في زجلٍ تتمايل على إيقاعه الروح. في بسمةٍ تطل من مشهد مسرحي بسيط لكنه صادق.
في مكناس، المدينة التي تتوسّد التاريخ وتحلم بالفن، التقى الجمال بالوفاء، والهوية بالإبداع، في الملتقى الوطني الثاني للفنون الشعبية والتشكيلية، الذي نظمته جمعية أسوار العاصمة الإسماعيلية، بشراكة مع المديرية الإقليمية لوزارة الثقافة والشباب والتواصل، احتفاءً بالذكرى الثانية والعشرين لميلاد ولي العهد الأمير الجليل مولاي الحسن، وتحت شعار “إيقاعات المغرب… أصالة تتجدد عبر الفنون”.
ألوان من ذاكرة الوطن…
في قاعة الفقيه محمد المنوني، لا تقف أمام لوحاتٍ عادية، بل أمام وطنٍ مجسّد في اللون، ينبض من أعماق الفنانين والفنانات الذين تجاوز عددهم الثلاثين، وقد جاءوا من كل الجهات حاملين وجدانهم على سطح القماش.
لوحاتٌ كأنها أغنيات صامتة، تستدعي القرى والأسواق والمآثر، الأزياء التقليدية، والأهازيج، والوجوه التي ما تزال تحفظ سرّ الأرض.
بين الواقعي والتجريدي، سافر المتلقي في مشاهد تُجيد رواية التراث دون أن تهمس، وتبعث الحياة في حجر الزخارف وأصوات الألوان.
إيقاعات المغرب… حين ترقص الذاكرة
الملتقى لم يكن فقط بصريًا، بل سمعيًا ووجدانيا أيضًا.
الطبول قرعت، لا للفرجة فحسب، بل لاستدعاء التاريخ.
من المعلم حمودة الكناوي، وحميد باشتي سفير الأغنية الشعبية المغربية بفرنسا، إلى فرقة فن أحيدوس بقيادة الفنان حميد احاجي، عادت الإيقاعات الأصيلة لتوقظ الذاكرة النائمة، وتقول لنا: هذا الوطن يتنفس من دفوفه.
الجمهور لم يكن متفرجًا، بل مشاركًا في الحنين، تفاعلًا وضحكًا وانفعالًا، خاصة مع عروض مسرحية حكواتية بأسلوب ساخر تراثي، ومع الثنائي الفكاهي “الحماق والمذاق”، والكوميدي العريق بوشعيب السفاج، الذين أعادوا للكلمة الساخرة وظيفتها النبيلة: إضحاك الناس دون إهانة، وإثارة الوعي دون وصاية.
كلمات تُطرَز بالشعر… وزجلٌ يُطرَب له القلب
وحين تحضر الكلمة الشاعرية، فإن الحفل يصبح صلاة وجدانية.
شارك في هذه الجلسات الزجلية نخبة من الأدباء، منهم الصادقي بالمكي، الأستاذ عبد المجيد البهلول من وجدة، والزجال عبد المجيد المفتتي، الذين قدّموا قصائد استحضرت فيها الأرض والعشق والهوية، كلمات تفيض من عمق التجربة المغربية الشعبية، وتجعل المستمع لا يصفّق بل يطرب ويرتقي.
الجمال له عرشه… وملكاته حضرن
ومن إشراقات الملتقى أيضًا، حضور ملكات الجمال الإسماعيلية في مشهدية تناغم فيها الفن مع الحضور البهي، تحت تأطير الأستاذ كمال عبد الله، ولجنة تحكيم ترأستها الدكتورة فاطمة ميراث، والفنان حميد باشتي، والأستاذة نجية البهلول، في لقاءٍ جمع بين جمال الشكل وجمال المضمون.
وفاء الكلمة… وتقدير الفن
في ختام الملتقى، وقف رئيس الجمعية المنظمة يُلقي كلمة شكرٍ صادقة، لا تشبه كلمات المجاملات الجافة، بل كانت نابعة من قلبٍ رأى النجاح بأعين الفنانين، فشكرهم، وشكر السلطات والمندوبية والحضور الكريم، ووسائل الإعلام، مؤكدًا أن هذا الملتقى لم يكن فقط احتفالًا، بل “منصة ثقافية حية” تعيد للفن الشعبي والتشكيلي مكانته المستحقة، محليًا ووطنيًا.
شواهد تقديرية وزّعت، لكنها كانت في الحقيقة تذكارًا معنويًا لكل من ساهم في زرع هذا الجمال…
خاتمة: حين يصبح الوطن لوحةً وصوتًا ووجدانًا
إن مثل هذه التظاهرات ليست فقط لحظات احتفالية تُنسى بعد انتهاء الفعالية، بل هي رسائل مشفّرة تقول:
الفن ذاكرة الأمم، والهوية لا تُحفظ إلا إذا أُبدعت.
في زمن التسطيح والتفاهة، من يزرع الثقافة؟
في عصر تسليع كل شيء، من يجرؤ على الاستثمار في الوجدان؟
وفي غمرة اللهاث نحو الحداثة، من يُبقي جذور الأصالة خضراء في القلب؟
ندعو القارئ النبيل إلى أن لا يكون شاهدًا فحسب، بل صانعًا للحدث، وراعٍ لفكرته، ومؤمنًا بقيمته.
• الناشر



إرسال التعليق