استثمار الدولة.. الأرقام تتحدث بلغة الوطن..
تبدو أرقام الاستثمارات العمومية لعام 2026 أكثر من معطيات مالية؛ إنها ملامح خريطة جديدة يرسمها المغرب نحو المستقبل. فالتقرير المرفق بمشروع قانون المالية يشير إلى أن المؤسسات والمقاولات العمومية تستعد لتعبئة ما يقارب 179,72 مليار درهم، أي بزيادة 6 في المئة مقارنة بنهاية 2025. أرقام تُظهر حيوية الاقتصاد الوطني وثقته في قدرته على النمو، لكنها تفتح في الآن ذاته باب السؤال حول عدالة التوزيع الترابي وفعالية الأثر الاجتماعي.
ثمان مؤسسات فقط ستضطلع بأكثر من ثلاثة أرباع هذه الاستثمارات، تتقدّمها مجموعة المجمع الشريف للفوسفاط بنحو 52,5 مليار درهم، تليها سكك الحديد، والكهرباء والماء، والشركات الجهوية متعددة الخدمات. وهنا تتجلّى ملامح الاقتصاد المغربي في تنويع محاوره: من طاقة ومعادن إلى بنية تحتية وخدمات حضرية، في مشهدٍ يُعطي انطباعًا بأن الرؤية التنموية ماضية بثقة نحو تعزيز الإنتاجية والاستدامة.
ومع ذلك، تبقى الأرقام شاهدة على تباينات جغرافية تحتاج إلى جُرأة في إعادة النظر. فالجهات الثلاث الكبرى — الدار البيضاء-سطات، الرباط-سلا-القنيطرة، ومراكش-آسفي — تواصل استقطاب أكثر من 60 في المئة من مجموع الاستثمارات، بينما تظل جهات الشرق وفاس-مكناس وبني ملال-خنيفرة تسجّل حضورًا متواضعًا، وتقبع جهات الجنوب والواحات عند هوامش النسب التي لا تتجاوز أحيانًا 3 في المئة. إنها فجوة لا تُقاس بالمال وحده، بل بما تعنيه من فرص عمل وحركة إنتاج وعدالة مجالية.
التقرير نفسه يدعو إلى انسجامٍ أكبر بين المخططات الاستثمارية والعقار العمومي، وإلى اعتماد معايير الأثر الترابي والعدالة المجالية، حتى لا تبقى التنمية امتيازًا للمراكز الكبرى بل حقًا مشتركًا في كل جهة. إنها دعوة إلى تحويل الاستثمار من رقم في جداول الميزانية إلى حركة حياةٍ في الميدان، حيث تُقاس جدواه بمدى مساهمته في تحسين معيش المواطن وخلق القيمة في جهته.
إننا بحاجة إلى قراءةٍ جديدة للنجاح الاقتصادي: قراءةٍ لا تفصل بين المادّي والمعنوي، ولا ترى في الأرقام نهاية الطريق، بل خطوة ضمن مسار طويل نحو مغربٍ متوازنٍ في نموّه، متضامنٍ في إنجازه، شفافٍ في إدارته. فحين تتغذّى المشاريع بروح المسؤولية، وتُبنى على نية صادقة ووعيٍ جمعي، تصبح التنمية رسالة لا صفقة، والنجاح وسيلةً للخير الشامل لا غايةً في ذاته.
فهل يمكن أن نجعل من كل درهم يُستثمر لبنةً في بناء العدالة؟ وهل نستطيع أن نحول لغة المال إلى ضمير وطني حيّ؟
الجواب رهنٌ بمدى قدرتنا على الإيمان بأن التنمية ليست سباق أرقام، بل تعاقد أخلاقي بين الوطن ومواطنيه، يُسهم فيه الجميع بعلمهم وضميرهم، ليصنعوا مغربًا يجمع بين القوة الاقتصادية والنبل الإنساني.
* الناشر >> “عندنا…للخبر وجه آخر”



إرسال التعليق