اعادة تعريف حماية الطفولة في المغرب من بوابة القانون والكرامة الانسانية بين دقة المصطلح ورهان الادماج ومستقبل السياسة الوطنية للاطفال..
حماية الطفولة اختبار حقيقي لمدى نضج السياسات العمومية وقدرتها على الانتصار للانسان في اكثر مراحله هشاشة. من هذا المنطلق جاءت المناقشة التفصيلية لمشروع القانون رقم 29.24 المتعلق باحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة، لتكشف ان الرهان هو في اعادة ضبط المفاهيم والادوار واللغة التي تؤطر علاقة الدولة بالطفل.
داخل مجلس النواب، تحولت الجلسة من نقاش تقني حول مواد قانونية الى مساءلة عميقة لمعاني الحماية، وحدود التدخل، وطبيعة النظرة التي يتبناها التشريع تجاه الطفل الذي يوجد في وضعية صعبة او في نزاع مع القانون. فاللغة هناصارت مدخلا نفسيا وحقوقيا يؤثر في وعي الطفل بذاته وفي نظرة المجتمع اليه.
مشروع القانون، في صيغته المعروضة، يسعى الى اعادة تنظيم مراكز حماية الطفولة باعتبارها فضاءات اجتماعية وتربوية تابعة للوكالة الوطنية، تعمل وفق نظامين مختلفين، احدهما محروس يحد من حرية مغادرة المركز بشروط قانونية، والاخر مفتوح يستقبل الاطفال ضحايا الجرائم او الموجودين في اوضاع اجتماعية هشة. هذا التقسيم، في جوهره، يعكس محاولة للتمييز بين من يحتاج الى الرعاية والحماية، ومن يوجد في مسار تقويمي مرتبط بقرار قضائي، دون خلط يضر بالحقوق او بالوظائف.
غير ان النقاش البرلماني كشف ان الاشكال يكمن في التعريفات ذاتها. فمفهوم النزيل مثلا، الذي يشمل كل طفل تم ايداعه بموجب مقرر قضائي، يطرح اسئلة دقيقة حول الحدود الفاصلة بين الرعاية والعقاب، وحول الضمانات الحقوقية التي يجب ان ترافق كل تدبير يمس حرية الطفل وكرامته. وهو ما دفع وزير العدل الى التشديد على ان المصلحة الفضلى للطفل يجب ان تظل البوصلة الوحيدة لكل اجراء، مع ضرورة تمتيع النزيل بكافة الحقوق المكفولة وطنيا ودوليا.
وفي هذا السياق، برزت مداخلات برلمانية لافتة سلطت الضوء على الاثر النفسي للمصطلحات القانونية. فقد دعت بعض الاصوات الى التخلي عن توصيف الطفل المهمل، وتعويضه بتعبير الطفل في وضعية صعبة، باعتبار ان اللغة القاسية قد تترك ندوبا خفية في وعي الطفل، وتكرس وصما اجتماعيا يصعب تجاوزه. كما توسع النقاش ليشمل فئات اخرى مثل الاطفال المتسولين او المشردين او المتخلى عنهم، في محاولة لتوحيد الرؤية القانونية والانسانية تجاه مختلف اشكال الهشاشة.
ومن زاوية اخرى، اثير موضوع الطفل في نزاع مع القانون، وما اذا كان تعريفه قد يتداخل مع مفهوم النزيل، وهو تداخل يعكس الحاجة الى مزيد من الدقة التشريعية حتى لا تتحول المراكز الى فضاءات ملتبسة بين الاصلاح والعقاب. فالتجارب المقارنة، كما تشير تقارير دولية صادرة عن اليونيسف، تؤكد ان نجاح سياسات حماية الطفولة رهين بوضوح الادوار، وبالفصل الصارم بين منطق الردع ومنطق الادماج.
الحديث عن الطفولة، كما عبر بعض النواب، هو في عمقه حديث عن مستقبل البلاد. لذلك لم يغب عن النقاش مطلب مراجعة القانون المتعلق بكفالة الاطفال في وضعية صعبة، ولا الدعوة الى توحيد السياسة الوطنية لحماية الطفولة ضمن رؤية شمولية تتجاوز منطق الاحسان الى منطق الحق. وهو ما اكده وزير العدل حين شدد على رفض توصيف مؤسسات الرعاية بعبارات خيرية، معتبرا ان الدولة مطالبة بمقاربة مؤسساتية تحفظ الكرامة وتضمن الاستدامة.
على مستوى الحكامة، ينص المشروع على احداث وكالة وطنية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، مع خضوعها لمراقبة الدولة، في محاولة للجمع بين المرونة والشفافية. كما تم التأكيد على دور الوكالة في الوقاية والادماج، من خلال تتبع الطفل قبل الايداع واثناءه وبعده، والعمل على اعادة ربطه بمحيطه الاسري والاجتماعي، ومواكبته في مشروع شخصي او مهني يضمن له موردا كريما.
ومن بين النقاط التي حملت بعدا اصلاحيا عميقا، اعلان التوجه نحو ايجاد صيغة قانونية لحذف السوابق من سجل الطفل الحدث، بما يفتح امامه افقا جديدا للاندماج دون ان يطارده ماضيه. وهي خطوة تنسجم مع المعايير الدولية التي ترى في اعادة الادماج حجر الزاوية في عدالة الاحداث.
في المحصلة، لا يقدم مشروع القانون اجابات نهائية بقدر ما يفتح ورشا تشريعيا واخلاقيا حول معنى حماية الطفولة في مغرب اليوم والغد.
• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”



إرسال التعليق