“الناشر الخير” : حين يتحدث العقلُ إلى القلب، ويتوضأ الفكرُ بنور الإيمان…

“الناشر الخير” : حين يتحدث العقلُ إلى القلب، ويتوضأ الفكرُ بنور الإيمان…

في زمنٍ يعلو فيه الصخب وتغيب البصيرة، نُطلّ عليكم إن شاء الله كل جمعةٍ، من باب “ناشر الخير” برسالةٍ تجمع بين العلم والروح، بين الفكر والضمير. رسائل لا تُروى من كتبٍ فقط، بل من تجارب قلوبٍ عرفت الله وعاشت الحقيقة…
هنا، نُصغي إلى أصواتٍ مضيئة من تراثنا الإنساني والإسلامي، من عقولٍ نبيلةٍ وأقلامٍ مؤمنةٍ بأن الكلمة عبادة، والفكر أمانة، والحكمة ضوء لا ينطفئ.

عزيزي القرئ : إفتح قلبك قبل عينيك، واستعد لرحلةٍ، قصيرةٍ في معناها، عميقةٍ في أثرها، مع واحدٍ من أولئك الذين جمعوا بين إشراقة العقل ونور الإيمان.
وهذه الجمعة، نرافق المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود رحمه الله…

حين يسجد الطين… ويستكبر النار

من كتاب «نار تحت الرماد» – د. مصطفى محمود رحمه الله
إعداد وتقديم: “الناشر” (باب “ناشر الخير”)

“ولقد كان إبليس فيلسوفًا وعالمًا ومجادلًا، وكان يبهر الملائكة بعلمه وفلسفته حتى لقد سموه طاووس العابدين لفرط زهوه بعلمه وعبادته، وقد ظل سبعين ألف سنة يعبد ويتفلسف ويجادل، والملائكة يتحلقون حوله يستمعون ويعجبون… ولكن الله كان يعلم أن هذا المخلوق المختال المزهو المتكبر الذي يحاضر في المعرفة الإلهية هو أقل مخلوقاته معرفة به، وأن كلامه لا يدل على قلبه.

وإنما سيد الأدلة على المعرفة وعدمها هو السلوك عند الأمر والنهي، ساعة يتصادم الأمر مع الطبع والهوى ويجد المخلوق نفسه أمام الاختيار الصعب. وهذا ما حدث حينما جاء أمر الله لإبليس بالسجود، فشق ذلك على كبريائه واستعلائه وزهوه، وساعتها نسي ما كان يحاضر فيه منذ لحظات… نسي مقام ربه العظيم وجلاله وعظمته، ولم يذكر إلا أنه مأمور بالسجود، ولمن؟ لبشرٍ من طين وهو المخلوق من نار! فرّ الأمر على الآمر وجادل ربه كأنه ربٌّ مثله.

(قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين)
(قال أأسجد لمن خلقت طينًا)

وسقط إبليس مع أجهل الجاهلين، فما عرف إبليس ربه حين جادله وحين رد الأمر عليه. ولم تُغنِ النظريات التي كان يدبجها ولا الحذلقات التي كان يبهر بها الملائكة والتي كان يصوّر بها لنفسه أنه سيد العارفين.

وإبليس اليوم هو العقلانية المزهوة المتكبرة في سلوك وفكر الإنسان العصري.
إبليس هو التعجرف العقلاني في الفلسفة الغربية، وهو الإرهاب الفكري في الأيديولوجيات المادية، وهو فكرة السوبرمان عند نيتشه. فكل ذلك هو الجهل والكبر وإن تسمى بأسماء جذابة كالعلم والفلسفة والفكر.

والحيوان عنده علم أكثر من علم هؤلاء الناس. القطة تأكل ما تُلقيه لها وهي تتمسح عند قدميك، فإذا خالستك وسرقت السمكة من طعامك أسرعت تأكلها خلف الباب. إن عندها علمًا بالشريعة وبالحلال والحرام أكبر من علم رئيس المافيا الذي يقتل بأشعة الليزر ويفتح الخزائن بأجهزة إلكترونية.

والفلاح البسيط الذي يطوف بالكعبة باكيًا مبتهلًا عنده علم بالله أكبر وأعمق من علم دكتور السوربون المتخصص في الإلهيات.

وأنا – ولا شك – قد حشوت رأسي بكمية من المعارف الإلهية أكثر بكثير مما كانت في رأس أبي رحمه الله عليه، ولكني لا أرتاب لحظة في أنه عرف الله أكثر مما عرفته، وأنه بلغ سماء المعرفة بينما أنا ما زلت على أرضها، حظي منها شطحات وجدان.

وإنما سبقني… أبرُّ بالطاعة والتقوى والتزام الأمر.
وكما قلت في بداية مقالي: معرفة الله هي خشيته، وخشيته طاعته، ومن لم يُطع ربه فما عرفه ولو كتب مجلدات ودبّج المقالات وألف روائع النظريات.

وما كان الأنبياء أنبياء بمعجزاتهم وخوارقهم، وإنما باستقامتهم وأخلاقهم. ولم يقل الله لمحمد: “إنك لعالم عظيم”، بل قال: (وإنك لعلى خلقٍ عظيم).

ولقد كان راسبوتين يشفي المرضى ويتنبأ بالمغيبات ويأتي بالخوارق وهو أكبر فسّاق عصره. وسوف يأتي المسيخ الدجال فيحيي الموتى وينزل المطر ويشفي المرضى ويأتي الأعاجيب والخوارق، فلا تزيده معجزاته إلا دجلاً.

وما أكثر العلماء اليوم ممن هم مع الأبالسة! وما أكثر الجهّال (في الظاهر) وهم سادة العارفين!
وما عرف ربه من لم يبكِ على نفسه وعلى جهله وعلى تقصيره.

ولهذا يقول ربنا عن الآخرة إنها (خافضة رافعة)، لأنها سوف ترفع الكثيرين ممن عهدناهم في الحضيض، وسوف تخفض الكثيرين ممن عددناهم من العليّة.

فلن يكون مع الله إلا الذين عرفوه، وليس العارفون هم حملة الشهادات، وإنما هم أهل السلوك والخشوع والتقوى، وهؤلاء قلة لا زامر لهم ولا طبّال، وليس لهم في الدنيا راية ولا موكب. وسلوكك هو شاهد علمك، وليس الدبلوم أو البكالوريوس أو الجائزة التقديرية أو نيشان الكمال من طبقة فارس الذي يلمع على صدرك.

إنما كل هذه مواهب إبليسية تنفع في دنيا الشطّار، ثم لا يكون لها وزن ساعة الحق. أما العارفون الذين هم عارفون حقًا فهم البسطاء أهل الاستقامة والضمير الذين تراهم دائمًا في آخر الصف، إذا حضروا لم يُعرفوا، وإذا غابوا لم يُفتقدوا، وإذا ماتوا لم يمشِ خلفهم أحد.

هؤلاء إذا دُفنوا بكت عليهم السماوات والأرض وشيّعتهم الملائكة. جعلنا الله منهم، فإن لم نكن منهم، فخُدّامهم السائرون خلفهم والطامعون على فُتات موائدهم”

تأمل صحفي

يا لعمق هذا الدرس الرباني! كم من أناسٍ تسلقوا سلّم المعرفة ليصلوا إلى الله، فسقطوا في حفرة الغرور قبل أن يبلغوا أول الدرجات… وكم من بسطاء  تخلت قلوبُهم من الكبر، ففتح الله لهم أبواب الفهم بلا شهادةٍ ولا لقب.
إن أعظم معجزةٍ للعارف بالله ليست علمه… بل خُلُقه. فما كانت النار يومًا دليل رفعة، ولا الطينُ علامةَ ضعف.

 إعداد وتقديم: الناشر (باب “ناشر الخير”)

إرسال التعليق

You May Have Missed