برلمان الطفل الافريقي وعي من حناجر صغيرة وحلم كبير…
في الرباط، كان المنتدى الافريقي الاول لبرلمان الطفل مشهدا انسانيا نابضا يعيد الاعتبار لصوت ظل مهمشا طويلا. ففي يومين اثنين فقط، بدا وكأن القارة كلها تعيد ترتيب اسئلتها الكبرى من خلال كلمات اطفال يمثلون عشرين دولة افريقية، اطفال حملوا هموم الناس بصراحة، وقدموا توصيات لا تخلو من عمق واقتدار، في وقت ما زالت فيه كثير من السياسات تتعثر عند ابواب التنفيذ.
لقد شكل المنتدى محطة لافتة في مسار ترسيخ حق الاطفال في المشاركة الفعلية، اذ لم يعد حضورهم رمزيا او شكليا، بل مشاركة حقيقية تكشف عن جيل يعرف ماذا يريد ويملك الجرأة ليقترح ويراجع ويعترض بعقل ناضج وروح مسؤولة. فالتوصيات التي وضعت امام الاميرة للا مريم لم تكن زينة بلاغية، بل كانت تعبيرا عن وعي صاعد يرفض ان يبقى الطفل مجرد متفرج على قرارات تصنع مستقبله دون رأيه.
وفي قضايا المشاركة دعا الاطفال الى ما هو ابعد من رفع الشعارات، اذ طالبوا بادماج حق المشاركة في التشريعات الوطنية، وبناء مسارات تكوين تجعل منهم قوة اقتراح في السياسات العمومية، واقترحوا مبادرات عملية مثل مراكز الاصغاء والمجالس الاستشارية وادماج حقوق الطفل داخل المناهج الدراسية.
اما في التعليم فقد كانت مطالبهم بليغة الدلالة، اذ دعوا الى اشراك التلاميذ في تصميم المناهج، وتطوير مهاراتهم الاجتماعية والعاطفية، وتكوين المدرسين في مجالات اساسية مثل ادارة القسم والتواصل. رسائلهم في هذا المحور تكشف عن فهم عميق بان جودة المدرسة لا ترتبط فقط بالمحتوى، بل بالانسان الذي يعيش داخل الفصل معلما ومتعلما.
وفي الصحة والرفاه، كان صوتهم اقرب الى صرخة ناعمة تدعو لتحسين الولوج الى الخدمات الصحية والنفسية، وتنظيم حملات توعوية تستهدف الاسر والتلاميذ والفاعلين التربويين، لانهم يدركون ان الطفل المريض نفسيا او جسديا لن يكون ابدا قادرا على التعلم ولا على المشاركة.
كما لم يتردد الاطفال في مواجهة ملفات حساسة مثل الاستغلال وتشغيل القاصرين والزواج المبكر، وهي قضايا لا تزال تنهش مجتمعات افريقية عدة. فدعوا الى توعية الاسر بمخاطر تشغيل الاطفال، وتشديد القوانين، ووضع خارطة طريق افريقية للقضاء على هذه الظواهر، مؤكدين ان الافقار ليس ذريعة كافية لهدر الطفولة.
وتواصل وعيهم في المحور المتعلق بحماية الاطفال في وضعية الشارع، اذ شددوا على ضرورة التحسيس بالمخاطر التي تتهدد الفتيات والفتيان، وتقوية قدرات المهنيين على التبليغ والحماية، وتحسين محيط المؤسسات التعليمية.
ومع التوصيات، جاءت بروتوكولات التعاون الدولي التي وقعها المرصد الوطني لحقوق الطفل مع عدد من الدول الافريقية، لتعكس انتقال الوعي من مستوى القول الى مستوى الفعل، عبر تكوينات، وورشات تقنية، وتبادل للخبرات والبيانات، وترسيخ لثقافة حماية الطفل باعتبارها مسؤولية جماعية لا تتجزأ. وكان اعلان الرباط لمشاركة الاطفال تتويجا لهذه الدينامية، يؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الطفل شريكا لا ظلا.
لقد ترك المنتدى اثرا عميقا، ليس فقط في القرارات والوثائق، بل في الطريقة التي نظر بها الحاضرون الى الطفل. فحين يعلن طفل افريقي صغير رؤيته لاصلاح التعليم او الصحة، فهو لا يطرح حلما مثاليا، بل يذكّر الجميع بان مستقبل القارة لن يكون اجمل ما لم تُنصت لاصغر مواطنيها.
• الناشر “عندنا للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق