بين هدي النبوة وركيزة المستقبل: ندوة “منهج رسول الله مع الشباب” في فاس تجسّد نداء الوعي والمسؤولية

بين هدي النبوة وركيزة المستقبل: ندوة “منهج رسول الله مع الشباب” في فاس تجسّد نداء الوعي والمسؤولية

في عصر تضطرب فيه القيم وتتحدّى فيه الهوية، تبرز الحاجة إلى منارات تُضيء دروب الشباب، وتُعيد إلى الذاكرة عطية النبوة في بناء الإنسان والمجتمع. وقد جاء تنظيم ندوة «منهج رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم مع الشباب» في فاس تلبيةً لهذا النداء، وتطبيقًا لمضامين الرسالة الملكية السامية التي وجّهها أمير المؤمنين، حفظه الله، بمناسبة مرور خمسة عشر قرنًا على مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

هنا، في صبيحة الأربعاء 23 ربيع الثاني 1447 هـ الموافق لـ 15 أكتوبر 2025م، اجتمع الفكر والهممّ، واحتفى العلم بالقيم، في لقاء أقامته المرشدات التابعات للمجلس العلمي المحلي بفاس، بالتنسيق مع مديرية التربية والتكوين، لفائدة تلاميذ مؤسسة التربية غير النظامية بالبطحاء. لقاءٌ كان لحظة وعي تستعيد فيها المدينة دورها التاريخي في حمل مشعل النور والفكر والتزكية.

لقد جاء هذا اللقاء في سياقٍ وطنيٍّ وروحيٍّ أوسع، تذكّر فيه الحاضرات والحاضرون أن الرسالة الملكية لم تكن توجيهًا إداريًا فحسب، بل دعوةً صادقة لإحياء المعاني المحمدية في قلوب الشباب، وتجديد حضور القيم في مؤسساتنا التعليمية. فحين يُستحضر اسم النبي صلى الله عليه وسلم في فضاءٍ تربوي، فإنما تُستحضر الأخلاق التي جعلت من جيلٍ بسيطٍ أمةً شاهدة على التاريخ.

تنوّعت مضامين الندوة بين الحديث عن أسلوب الرسول في التعامل مع الشباب، وكيف خاطب عقولهم بقدر ما ربّى قلوبهم، وبين استحضار النماذج الصحابية التي جسّدت فجر الإيمان في عمرٍ غضّ، لتكون شاهدة على أن الشباب حين يُوجَّه بالعقل والإيمان، يصنع أعظم التحولات. وتناولت المرشدات أثر الهدي النبوي في حياتنا المعاصرة، وكيف يمكن ترجمته في المدرسة والبيت والشارع، حيث يُبنى الخلق قبل المظهر، ويُصاغ الوعي قبل الشعارات.

وقد لمس الحضور في كلمات المرشدات حرارة الإخلاص ونبل المقصد، وشعروا أن الحديث عن منهج الرسول مع الشباب ليس تكرارًا لدرسٍ قديم، بل استنهاضٌ لضميرٍ حيٍّ داخل كل نفس. فالشباب الذين تابعوا اللقاء بتفاعلٍ لافتٍ، وجدوا في السيرة مرآةً لأنفسهم، وسبيلاً إلى التوازن بين الحلم والواجب، وبين الحرية والمسؤولية. إنهم يدركون، وربما أكثر من أي وقت مضى، أن القيم لا تنفصل عن الفعل، وأن القدوة ليست نصًا محفوظًا، بل سلوكًا يُمارس كل يوم.

في الوقت نفسه، أدرك المنظمون أن العمل التربوي يحتاج إلى أن يُغذّى بخطابٍ جديد، يقترب من الشباب بذكاء الوجدان لا بصرامة الوعظ، ويستعمل لغة الفهم قبل لغة الحكم. فليس المقصود أن نغرقهم في التنظير، بل أن نفتح أمامهم أفق التطبيق: كيف يمكن للقيمة أن تتحوّل إلى سلوك، وللإيمان أن يصبح طاقة حياة.

لقد كانت ندوة فاس بهذا المعنى مرآةً صافية لرسالة الملك الداعية إلى ربط العلم بالخلق، والدين بالعمل، والهوية بالكرامة الإنسانية. إنّ نجاحها الحقيقي لم يكن في عدد الكلمات أو الحضور، بل في الأثر الذي تركته في نفوس من استمعوا، حيث تحوّل الدرس إلى وعي، والوعي إلى عزم.

وإذا كانت هذه المبادرات تُضيء بقعةً من الوطن، فالمأمول أن تمتد أنوارها إلى سائر الجهات، حتى تصبح ثقافة اللقاء والحوار هي الأصل، لا الاستثناء. لأن الخطر الحقيقي ليس في جهل الشباب، بل في أن نتركهم فرائس للفراغ، بعيدين عن دفء الكلمة النبيلة.

ولعل أجمل ما في هذا الحدث أنه جمع بين الحسّ الإيماني والهمّ الوطني؛ فالإصلاح الأخلاقي هو في جوهره إصلاحٌ وطني، لا ينفصل عن المدرسة ولا عن الشارع ولا عن المؤسسات. ومن هنا تتجلى روح المغرب التي أرادها مَلِكُه: مغربٌ متوازن بين العقل والإيمان، بين الوعي والعمل، بين الروح الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمامنا جميعًا: كيف نحافظ على جذوة هذه اللقاءات، ونحوّلها إلى ثقافةٍ دائمةٍ في التعليم والإعلام والحياة العامة؟ وكيف نصنع من القيم المحمدية جسورًا بين الأجيال، لا شعاراتٍ تُعلّق في المناسبات؟

إنّ الجواب ليس ببعيد، ما دمنا نحمل في قلوبنا يقينًا بأن الوعي هو السلاح الأقدر على بناء المستقبل. وبه نستطيع أن نصنع مغربًا لا يترنّح بين الحلم والواقع، بل يتآزر فيه العزم الأخلاقي مع الروح الإنسانية في خدمة الخير العام. فحين تُصبح الكلمة النبيلة عهدًا، يصبح النجاح وسيلةً للعطاء، لا غايةً للغرور، وتُشرق الحقيقة في وضح النهار، لا في الظلال.

الناشر >> “عندنا…للخبر وجه آخر”

annachir.com

chabab.presse@gmail.com

WhatsApp :0661835959

إرسال التعليق