تاونات… خضرة الزيتون … في مواجهة سواد المرج..!!

تاونات… خضرة الزيتون … في مواجهة سواد المرج..!!

في رحاب الإقليم، حيث تمتد غابات الزيتون  يتجلّى مشهد آخر  تتصادم فيه سُبل النّهوض الاقتصادي مع واجب الحِفاظ على المعطى البيئي. في إقليم تاونات، أعلنت السلطات مجموعة من التدابير الاستباقية للتصدّي لتداعيات مخلفات «المَرْج»، تلك المادة الأثقل وزناً مما تراه العين، والتي تفرزها وحدات استخراج زيت الزيتون، فتُشكّل تهديداً للثروة المائية والتربة والغطاء النباتي.

خلال لقاء تواصلي تحت شعار «إجراءات الحد من مخلفات مادة المرج على المجال البيئي بالإقليم»، كشف بوبكر قلوح الكاتب العام لعمالة تاونات أن الإقليم عرف تقدّماً ملموساً في عدد وحدات العصر العصرية وشبه العصرية، لكن ذلك التوسّع جاء مصحوباً بارتفاعٍ غير منضبط في كمية مادة المرج الناتجة، والتي كانت تُتَخلّص غالباً بطرق عشوائية مُخالِفة للضوابط القانونية والبيئية، ما يعني أن النمو الاقتصادي قد طال خُطاه دون أن تُرافقه الأنظمة الراعية للبيئة.

تلك الممارسات، كما بيّن قلوح، «تشكّل تهديداً لحياة الإنسان والحيوان، وتُسهم في إتلاف التربة وتدهور جودتها، وتلوّث الفرشة المائية ومجاري المياه والسدود». وإذ أشار إلى تدخّلات ملموسة، ذكر أن الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء سابقًا أنجزت محطّتين لتجميع ومعالجة مادة المرج بمُنطقتي جماعتي رأس الواد وبني سنوس، دخلتا حيز الاستغلال سنة 2023، فضلاً عن حثّ أرباب المعاصر على تسوية وضعياتهم من الناحيتين التعميرية والبيئية وتنظيم زيارات ميدانية لمراقبة مدى الالتزام بشروط دفاتر التحملات الخاصة بالدراسات البيئية.

ولم تكن التصريحات وحدها ما أثار الانتباه، بل الأرقام والممارسات الميدانية. ففي عرض قدمته بشرى بوسواري، رئيسة مصلحة جودة المياه بوكالة الحوض المائي لسبو، قالت إن اللجنة الإقليمية قامت بداية موسم جني الزيتون 2024/2025 بـ 60 زيارة ميدانية لمراقبة المعاصر، أسفرت عن تحرير خمسة محاضر مخالفات وإصدار أربعة قرارات بمنع الاشتغال. وهذه المعطيات تدلّ على أن التوجيه قائم لكن التحدّيات لا تزال قائمة.

كما أعلن محمد الشاوي، المدير العام لشركة جهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس، أن شركته، بتعاون مع وزارة الداخلية وولاية جهة فاس-مكناس وعمالة تاونات، انخرطت في مشاريع لمحاربة التلوّث في حوض سبو، مؤكّداً عزمها مواصلة العمل للقضاء نهائياً على كل نقاط التلوّث، خاصة أن مياه حوض سبو تصل حتى حوض أبي رقراق عبر المشروع الكبير للطريق السيّار المائي، مما يحفّز على تسريع وتيرة التدخّل.

لكنّ، وعلى الرغم من كل تلك المبادرات، لا تزال أصوات المجتمع المدني تُلقي بظلالها على الأمر، مشيرةً إلى أن الواقع اليوم يُشبه اختباراً للصلة بين تعهّدات السياسات والفعليّة الميدانية. فقد رصدت بعض التقارير أن وحدات عصر الزيتون ما تزال تُفرّغ مادة المرج في الأنهار والوديان وحقول الزيتون، بدون احترام كامل للقانون أو معايير البيئة.

من هذا المنطلق، تبدو تاونات كأنها على مفترق طريق: بين ماضٍ يُحتفى به باعتباره قطبًا للزيتون والمُنتج الريادي، وبين حاضر يتطلّب نهجًا متماسكًا لاستدامة تلك الريادة. بل إن النموذج الذي يُبنى هنا هو معيار للمغرب، الذي يسعى أن يكون نموّه شاملاً، لا مُجزّأ، بحيث لا يُقدّس الإنتاج بمعزل عن البيئة، ولا يُقدّم الثروة على حساب الحق في الماء النقي والهواء النظيف والتربة الخصبة.

وبينما تُستأنف معارك العصر والموسم، فإن السؤال يبقى مطروحاً أمام المواطن والمؤسسات على حد سواء: هل نستطيع أن نجعل النجاح ليس غاية خاصة، بل وسيلةً لخدمة الجميع؟

ولأن الطريق لا ينتهي عند تدشين برنامج أو تشغيل محطة معالجة، بل يبدأ من التزام شخصي ومجتمعي بأن «ما الفائدة من إنتاجٍ إذا كان يُسلب من أحدنا حقوقه البيئية؟». فلنسعَ إذن إلى مغرب يتآزر فيه المواطن مع السلطة، والمجتمع المدني مع المؤسسة، ليس في مواجهة بل في شراكة: مغرب يرعى عدالة الماء، ويحمي التربة، ويحتفل بالزيتون دون أن ينسى أن الثمرة تُثمر في ظلال المسؤولية.

 

* الناشر >>   “عندنا…للخبر وجه آخر”

annachir.com

chabab.presse@gmail.com

WhatsApp :0661835959

إرسال التعليق

You May Have Missed