تاونات… ندوة علمية تستحضر مشروع صناعة الانسان ومجتمع الحياة الطيبة
يظل استحضار المحطات الكبرى في التاريخ الاسلامي ضرورة معرفية وتربوية تعيد وصل الحاضر بمنابع الهداية الاولى. ومن هذا المنطلق، احتضن المسجد الكبير بجماعة قرية بامحمد التابعة لاقليم تاونات، مساء الخميس 18 يونيو 2026، ندوة علمية اختارت ان تعود بالذاكرة والوعي الى واحدة من اعظم اللحظات المؤسسة في تاريخ الامة، وهي الهجرة النبوية الشريفة، باعتبارها نموذجا خالدا في صناعة الانسان وبناء المجتمع.
الندوة التي نظمها المجلس العلمي المحلي لاقليم تاونات بتنسيق مع المندوبية الاقليمية للشؤون الاسلامية، جاءت في سياق تنزيل مضامين الرسالة الملكية السامية الموجهة بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالتزامن مع استقبال السنة الهجرية الجديدة 1448، وهي مناسبة حملت دلالات عميقة تؤكد استمرار العناية بالبعد الروحي والحضاري للسيرة النبوية، باعتبارها خزانا للقيم ومصدرا للرؤية والبصيرة.
ومن خلال موضوع “الهجرة النبوية وبناء مجتمع الحياة الطيبة”، انفتح اللقاء على قراءة متجددة لهذا الحدث المفصلي الذي كان تحولا حضاريا شاملا نقل الدعوة الاسلامية من مرحلة الاستضعاف الى مرحلة التمكين، ومن دائرة الفرد المؤمن الى فضاء المجتمع المتماسك القائم على الايمان والاخوة والعدل والتعاون.
وقد ساهمت في تاطير هذه الندوة ثلة من الكفاءات العلمية والدعوية النسائية، حيث قدمت الاستاذات فاطمة الزهراء الحمامي عضو المجلس العلمي المحلي، ونجية اكرويل، وخديجة والطالب، وسناء فيلالي ادريسي، قراءات متعددة الابعاد لحدث الهجرة، مبرزة ما يحمله من معان تربوية وفكرية ما تزال قادرة على الهام الاجيال المتعاقبة.
واستعرضت المداخلات جملة من القضايا المرتبطة بالهجرة النبوية، بدءا بالتعريف بخلفياتها التاريخية واسبابها العميقة، مرورا بالقيم التي جسدتها وفي مقدمتها الصبر والثبات والتضحية وحسن التدبير والاعتماد على الله مع الاخذ بالاسباب، وصولا الى استحضار التجربة المدنية الرائدة التي اقامها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، حيث وضعت اللبنات الاولى لمجتمع متوازن يقوم على حفظ الحقوق وترسيخ التعايش وتحقيق التكافل بين مكوناته.
ولعل ما يميز الهجرة النبوية انها قدمت نموذجا متكاملا في التخطيط الاستراتيجي وصناعة التغيير. فقد علمت المسلمين ان التحولات الكبرى تصنعها الرؤية الواضحة والارادة الصلبة والعمل المنظم. وهي معان تبدو اليوم اكثر حضورا في ظل الحاجة الى ترسيخ قيم المسؤولية والوعي والمبادرة داخل المجتمع.
كما شهد اللقاء تفاعلا لافتا من طرف الحاضرات اللواتي اثرين النقاش بمداخلات وتساؤلات عكست اهتماما متزايدا باستلهام الدروس العملية من السيرة النبوية وربطها بقضايا الواقع المعاصر، وهو ما منح الندوة بعدا حواريا جعلها تتجاوز حدود التلقي نحو فضاء المشاركة والتفكير الجماعي.
وتؤكد مثل هذه المبادرات العلمية والتوعوية ان السيرة النبوية هي مشروع متجدد لبناء الانسان وتهذيب الوجدان وترسيخ منظومة القيم التي يحتاجها المجتمع في كل زمان. فالهجرة كانت في جوهرها رحلة من الخوف الى الامن، ومن التفرق الى الوحدة، ومن المعاناة الى صناعة الامل، وهي الرسائل نفسها التي ما تزال الامة في امس الحاجة الى استحضارها وهي تواجه رهانات الحاضر وتطلعات المستقبل.
واختتمت الندوة بالدعاء الصالح لمولانا امير المؤمنين، سائلين الله تعالى ان يديم على المملكة المغربية نعمة الامن والاستقرار، وان يحفظ جلالة الملك ويوفقه لما فيه خير البلاد والعباد، في مشهد روحاني جسد عمق الارتباط بالثوابت الدينية والوطنية التي تشكل ركيزة من ركائز وحدة الوطن واستمراره.
• الناشر



إرسال التعليق