تلاقي الصناعة التقليدية بروح الابداع: الصويرة تكتب فصلا جديدا في حكاية الابتكار..
في فضاء الصويرة، اختتمت الدورة الرابعة من مسابقة الديزينايثون، وهي مبادرة باتت تشكل موعدا سنويا يربط الحرفة التقليدية بأفق جديد من الابداع والتنمية المستدامة. وتحولت المسابقة، الى ورشة كبيرة لاستنهاض المخيلة واعادة الاعتبار للمهارة اليدوية كجزء من هوية الوطن وروحه العميقة.
حوالي ستين صانعا تقليديا من مختلف جماعات الاقليم، اجتمعوا في فرق صغيرة جمعت بين خبرات متنوعة، فكان التعاون هو المادة الاولى التي صيغت منها هذه التجربة. هنا، لم تعد الحرفة حكرا على صاحبها، بل صارت جسرا نحو اكتشاف المهن الاخرى، وتقاطع المهارات، وصياغة اعمال تجمع بين الجمالية والوظيفة والجدوى التجارية. والاهم من هذا كله، احترام البيئة عبر اعتماد مواد طبيعية محلية او معاد تدويرها، في انسجام مع المسار الذي تتبناه الصويرة كمدينة تعيد تعريف التنمية عبر روحها المتصالحة مع الطبيعة.
رئيسة المركز المنظم، خلود كاهيم، وصفت المسابقة بأنها احتفاء بالصناعة التقليدية باعتبارها وجها من وجوه الهوية الثقافية للمدينة. لكنها ايضا منصة تمنح الصانعين فرصة لكتابة شيء جديد باسمهم وباسم حرفهم. كان لافتا هذا الحرص على دمج مهارتين حرفيتين على الاقل داخل كل فريق، اذ لا يولد الابداع من الذات المنغلقة، بل من الاحتكاك، من الحوار، ومن الاصغاء لما يعرفه الاخر. وهكذا ظهرت قطع تحمل ملامح الصويرة: خشب العرعار بعبقه العتيق، الدك الصويري بما فيه من دقة واناقة، واللون الازرق الذي يحمل صدى البحر ويمنح المدينة حضورها المميز.
احدى المتوجات، بشرى تناني، تحدثت بروح ممتنة عن خروجها من المألوف، وكأن المسابقة لم تمنحها جائزة فقط، بل منحتها عالما جديدا من الاحتمالات. قالت انها اكتشفت حرفا لم تكن تعرف عنها الكثير، وتعلمت مهارات جديدة، وصممت مع فريقها منتجات تستجيب لحاجات السوق وتنسجم مع متطلبات البيئة. كانت شهادتها صدى لشهادات اخرى رأت في المسابقة فرصة للتعبير عن قدرات طالما بقيت حبيسة الورش الصغيرة.
هذه النسخة المنظمة تحت شعار الصناعة التقليدية دعامة اساسية لتحقيق تنمية مستدامة، جاءت لتؤكد قدرة الحرفيين على مواكبة التحولات الكبرى، ليس فقط عبر الحفاظ على التراث، بل عبر تجديده وادراجه في دينامية اقتصادية وثقافية اوسع. لقد اثبتت هذه التجربة ان الحرفة التقليدية ليست اثرا جامدا، بل طاقة متجددة قادرة على المساهمة في الانتقال الطاقي، وعلى فتح افاق تعاون محلي ووطني ودولي، يعزز حضور الصويرة في الخريطة الثقافية والاقتصادية للمغرب.
ولعل السؤال الذي يظل معلقا بعد هذه التجربة هو سؤال المستقبل. كيف يمكن لهذا الوعي الذي اشتعل في ورشات الديزينايثون ان يتحول الى ثقافة عامة؟ كيف يمكن للنجاح ان يكون وسيلة لخدمة الجميع؟ وكيف نمنح للابداع معنى اخلاقيا يتجاوز حدود السوق، ليمتد الى خدمة الانسان والبيئة والمجتمع؟
بهذا الطرح يصبح الوعي هو السلاح الهادئ الذي لا يرفع الصوت، لكنه يغير واقعا. وتصبح المعرفة هي الطريق التي تعصم من التكرار الاعمى وتصنع من الحرفي مواطنا واعيا بدوره الحضاري. وتصبح القيم الاخلاقية قادرة على انقاذ المشاريع من السقوط في هوامش الاغراض الضيقة، لتعيدها الى روحها الاصلية: خدمة الصالح العام.
• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق