حين يتطوّع الأمل… شباب فاس مكناس على درب الوطن

حين يتطوّع الأمل… شباب فاس مكناس على درب الوطن

ليس كلُّ ما يُزرع يُحصد فورًا، لكن بعض البذور حين تُغرس في أرض خصبة، وتهطل عليها قطرةُ إيمان، تثمر قيَمًا تُضيء الدرب ولو بعد حين…
هكذا يبدو برنامج “متطوع” في نسخته الثالثة بمدينة فاس، لا كحدثٍ عابر في أجندة صيفية، بل كمحاولة هادئة لتشكيل وعي جديد عند الجيل الصاعد… وعيٍ يُدرك أن حب الوطن ليس شعارًا، بل سلوك يومي يتجلى في المبادرة، والعطاء، والتفاعل مع قضايا المجتمع بعيدًا عن الأضواء الصاخبة.

متطوعون على خطّ البداية… لكن إلى أين؟

 بحوالي 350 شابة وشابا، تتراوح أعمارهم بين 18 و22 سنة، انطلقت فعاليات النسخة الثالثة من البرنامج الوطني “متطوع”، الذي تنظمه وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الشباب، بمدينة فاس.
أغلب المشاركين جاؤوا من مختلف أقاليم جهة فاس-مكناس، لا يحملون سوى حماسهم النقي، وأحلامهم القابلة للزراعة، وعزيمتهم على الانخراط الفعلي في صناعة التغيير… لا بالمطالبة، بل بالفعل.

ونحسب هذا التوجه الذي جاءت به الوزارة وفريقها التقني خطوة واعدة، خاصة إذا اقترن الخطاب بالفعل، وإذا تحولت الورشات التدريبية إلى مُحركات تغيير حقيقية في سلوك الأفراد والمؤسسات.

من الورش إلى الوعي… ماذا يتعلم الشباب؟

 البرنامج موزع على مرحلتين، الأولى تكوينية انطلقت من 27 يوليوز إلى 4 غشت، احتضنتها كلية الآداب سايس، حيث أقيمت ندوات وورشات تتناول موضوعات التطوع، المواطنة، القيم المدنية، الريادة، ومهارات التواصل.
أما المرحلة الثانية، من 6 إلى 20 غشت، فتدفع المتطوعين نحو الميدان، حيث تختبر القيم النظرية في تربة الواقع من خلال أنشطة تمسّ مجالات البيئة، الصحة، الثقافة، التضامن، التربية، والتنمية المستدامة.

التطوع ليس بديلاً عن السياسات، بل رافعة لها

 مدير قطاع الشباب بالجهة، إسماعيل الحمراوي، أكد على أهمية البرنامج، مبرزًا نتائجه السابقة والتي توجت بتأسيس أكثر من 60 نادٍ للتطوع داخل مؤسسات الشباب.
وهي أرقام تبعث على التفاؤل، وإن كنا نأمل – بحسن ظن – ألا تتحول الأندية إلى عناوين بلا أنشطة، أو حواضر بلا حركة. فالمطلوب اليوم هو ترسيخ ثقافة تطوعية تُقنع الشباب بأن الانتماء لا يُشترى ولا يُفرض، بل يُبنى بالاقتناع والتفاعل والالتزام..

شهادات تنبض بالحياة… وأملٌ يُسقى بالفعل

الشهادات الحيّة للمشاركين لا تُخفي حماسة البدايات. يعبّرون عن سعادتهم، ويؤكدون عزمهم على التفاعل الجاد، والانخراط القوي، لا بوصفهم مستهلكين للتكوين، بل شركاء في صناعته.

كأن لسان حالهم يقول: لسنا عبئًا… نحن الرصيد غير المُستثمر. نحن العملة الحقيقية التي تنتظر من يقبل تداولها لا من يُراكمها على الرفوف.

ما بعد التطوع… هل من طريق ثالث؟

 السؤال المفتوح هنا ليس: “هل نجح البرنامج؟” بل: “كيف نحول فكرة التطوع إلى ثقافة سائدة، لا طقس صيفي عابر؟”
وهل يمكن أن نزرع في الناشئة يقينًا بأنهم ليسوا متفرجين على حاضر يُصنع بغيرهم، بل هم الصانعون إذا ما امتلكوا الوعي والمهارة والتجربة؟

نرجو أن تستمر هذه المبادرات، لا بصفتها بديلاً عن الأدوار الرسمية، بل كرافعة مساندة تعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.

ففي زمن استهلاكي سريع، يصعب أن نجد شبابًا يخصصون وقتهم – طوعًا – لخدمة مجتمعهم، دون مقابل مادي، ودون وعد فوري بالمكافأة…
لكن حين نجدهم، علينا ألا نصفّق فقط، بل أن نبني حولهم بيئة راعية، تُنصت لهم، وتراهن عليهم، وتُشركهم في بناء وطنهم لا كأدوات تنفيذ، بل كشركاء فكر ورؤية.

فهل نملك من الحكمة ما يكفي لنحمي هذه الجذوة من الانطفاء؟
وهل يستطيع هذا الوطن أن يتسع لطموحات شبابه قبل أن يهاجروا بأحلامهم إلى أوطان لا يتقنون لغتها؟
وهل آن الأوان لنكفّ عن مساءلة الشباب، ونبدأ في مساءلة أنفسنا: هل وفرنا لهم ما يستحقون من فرص، ومرافقة، وثقة؟

فلنحمل هذا الهم معًا… فالكلمة النبيلة مسؤولية، والتطوع ليس شعارًا، بل خلاصٌ روحي في زمنٍ متخم بالأنانية.

• الناشر ” عندنا.. للخبر وجه آخر”

• chabab.presse@gmail.com

إرسال التعليق