“سفراء الرحمة…” حين يسكن التواضع في بيوت الله
في عالم يتكاثر فيه الضجيج ويقلّ فيه الدليل، تظل بيوت الله منارات للنقاء، وأهلها سفراء للسكينة. إنها ليست جدرانًا وأوقات صلاة، بل أرواحٌ تحلّق حولها الرحمة، ويُفترض أن يُضيئها أولئك الذين تشرّفوا بخدمتها: الأئمة، الخطباء، والعمّال، أولئك الذين خُصّوا بشرف القرب من القرآن والعبادة وبيوت الرحمان.
ولكن… هل أدرك الجميع عظمة الدور؟
ليس كل من لبس جبة الإمام سكنته الروح النبوية، وليس كل من صعد منبرًا ورث سماحة محمد صلى الله عليه وسلم. بعضهم، للأسف، يصد الناس بصلافته عن المساجد، بدلاً من أن يفتح لهم أبواب الجنة بلين كلماته واحتواء حضوره.
وفي المقابل، هناك من يستحق أن يُكتب اسمه بالنور على جدران القلوب. رجال إذا رأيتهم حسبتهم ملائكة تمشي على الأرض. ومن بين هذه النماذج الوضّاءة، يسطع اسم الأستاذ محمد شهبون، إمام مسجد السلام “ المشهورباسم “مسجد هاجر”بمدينة فاس. رجل جمع بين وقار العلم، ودفء الأخلاق، وسمو التواضع “ولا نزكي على الله أحدا “. لكن لا نقول إلا ما رأيناه وشعرنا به .
من قابله لا يشعر إلا بالسكينة، ومن سمعه أحس أن نور القرآن نطق على لسانه.
التواضع… أول صفات عباد الرحمن
قال تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾، و”هونًا” تعني والله أعلم سكينة بلا تكبر، هيبة بلا استعلاء. فالمتواضع يرفع الله قدره، كما قال نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام : (وما تواضع أحد لله إلا رفعه).
كيف لا وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم، سيد المتواضعين، يجلس بين أصحابه فلا يُعرف، يخصف نعله بيده، ويقول: اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين.
التواضع الحقيقي… لا انتقائي ولا مصلحي
المتواضع لله لا يفرق بين غني وفقير، ولا يعرف التلون بحسب المقامات. هو هو مع الجميع. بينما المتكبرون المتصنّعون للتواضع، سرعان ما تنكشف حقيقتهم حين لا يلوح في الأفق منفعة.
وقد قال ابن القيم: “ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله بقدر ما دخل”، فالكبر ليس قوة، بل عمى. والله جل جلاله يقول: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾. فالعبرة ليست بالشهادات ولا بالمناصب، بل بخشية الله.
ختامًا… رسالة إلى أهل المنابر والميكروفونات
كونوا كالماء في حضوره… لا يُرى، لكنه يُحيي.
كونوا كالأشجار… تظلّ من تحتها، ولا تسأل من جلس.
كونوا رحماء، فأنتم سفراء الرحمة، وقدوة القلوب، ونبراس الأرواح.
ومن تواضع لله، رفعه الله فوق ما كان يحلم…
أما من تكبّر، فقد حكم على نفسه بالسقوط، وإن تزيّن بالعمائم وتصدر الصفوف.
في بيوت الله… لا مكان للكبر، بل للمحبة والانكسار لله وحده.
فهنيئا للأستاذ شهبون، وبارك الله في نيته وعمله .
* الناشر



إرسال التعليق