صحة المواطن كرامته : الدار البيضاء تفتح نقاشا شجاعا ضد العنف والوصم
في زمن تتعقد فيه التحديات الصحية والاجتماعية، لم يعد كافيا الاكتفاء بالتشخيص البارد للارقام، بل صار لزاما فتح نقاش عمومي شجاع يضع الانسان في قلب السياسات، ويعيد الاعتبار للحق في الصحة بوصفه امتدادا للكرامة، لا امتيازا ظرفيا. من هذا المنطلق جاءت الدعوة التي احتضنتها الدار البيضاء لتعزيز الولوج الى الرعاية الصحية للفئات الاكثر عرضة للاصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، وربطها بشكل واع بضرورة مكافحة العنف بكل اشكاله.
اللقاء، الذي نظمته اللجنة الجهوية لحقوق الانسان بالدار البيضاء سطات بشراكة مع جمعية محاربة السيدا، كان مساحة تفكير جماعي في اسئلة حساسة طالما احاطها الصمت او التردد. تحت شعار جميعا من اجل جهة بدون العنف وبدون سيدا، تم التأكيد على ان المعركة ضد المرض لا تنفصل عن المعركة ضد الوصم، وان العنف، سواء كان جسديا او نفسيا او رقميا، يضاعف هشاشة الفئات المستهدفة ويقوض فرص العلاج والاندماج.
المعطيات التي تم تداولها خلال اللقاء تضع الجميع امام مسؤوليات واضحة. نحو ثلاثة وعشرين الف شخص متعايش مع الفيروس بالمغرب، وثلثا الاصابات الجديدة تواجه صعوبات حقيقية في الولوج الى الوقاية والتشخيص والعلاج، ليس بسبب غياب الدواء فقط، بل بسبب نظرات الاقصاء وخوف الافصاح ومحدودية خدمات صحية مهيأة لاستقبال هذه الفئات بكرامة واحترام. هنا يتجلى الخلل حين يتحول المرض من مسالة صحية الى عبء اجتماعي مضاعف.
في هذا السياق، برز برنامج مدينة خالية من السيدا، المدعوم امميا، كاطار عملي يسعى الى توسيع فرص الرعاية، وتقوية قدرات المنظومة الصحية، وتقليص الوصم، عبر تنسيق الجهود بين السلطات والمراكز الصحية والمجتمع المدني. غير ان نجاح مثل هذه البرامج يظل رهينا بمدى قدرتها على ملامسة الواقع اليومي، وعلى جعل الحق في الصحة ممارسة فعلية لا شعارا موسميا.
الحديث عن العنف ضد النساء والفتيات احتل حيزا مركزيا في النقاش، خاصة مع تنامي العنف الرقمي الذي بات يوصف بجائحة صامتة. ارقام المجلس الوطني لحقوق الانسان تشير الى تعرض ازيد من مليون ونصف امرأة لهذا النوع من العنف، ما يستدعي تطوير الاليات القانونية والمؤسساتية، وتعزيز الوقاية والحماية والمساءلة، دون فصل ذلك عن حملات تحسيس عميقة تغير العقليات قبل النصوص.
ربط مكافحة العنف بمحاربة الوصم المرتبط بفيروس نقص المناعة البشرية يعكس تحولا نوعيا في المقاربة، تحولا يضع الكرامة والحق في الصحة والحياة الامنة في صلب الفعل العمومي. وهو رهان لا يمكن كسبه دون وعي مجتمعي، ودون سياسات صحية دامجة، ودون شراكات صادقة تتجاوز منطق المناسبات.
في مغرب يتطلع الى تنمية انسانية شاملة، لا يمكن اختزال النجاح في المؤشرات المادية وحدها. فصحة المجتمع تقاس ايضا بقدرته على حماية اضعف فئاته، وعلى تحويل القيم الاخلاقية الى ممارسات يومية، وعلى جعل الوعي والمعرفة سلاحا ضد الخوف والتمييز. فهل نمتلك الجرأة لننظر الى المرض بعين الانسان لا بعين الحكم؟ وهل نستطيع ان نجعل من محاربة الوصم والعنف مدخلا لبناء مجتمع اكثر عدلا وتضامنا؟ اسئلة تظل مفتوحة، لان الطريق نحو مدينة بلا عنف وبلا اقصاء يمر اولا عبر شجاعة الوعي وصدق الفعل.
• الناشر ” عندنا.. للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق