فاس- العلماء الافارقة ورحلة البناء الهادئ نحو افريقيا اكثر وعيا

فاس- العلماء الافارقة ورحلة البناء الهادئ نحو افريقيا اكثر وعيا

في زمن تتسارع فيه التحولات الفكرية العالمية، وتشتد فيه رياح العولمة التي تهز منظومات القيم في مجتمعات كثيرة، ينهض العلماء الافارقة بحمل ثقيل لا يؤجل، حمل حماية الدين وصون الهوية الروحية التي تميز القارة منذ قرون. ومن قلب فاس، المدينة التي اعتادت ان تكون جسرا بين المعرفة والروح، جاءت رسائل واضحة من مؤسسة محمد السادس للعلماء الافارقة تؤكد ان دور العلماء لم يعد قابلا للتأجيل، وان اللحظة التاريخية تستدعي منهم تجديد الرؤى وتوسيع افق الاجتهاد والبحث والتأطير.

ففي الجلسة العلمية للدورة السابعة للمجلس الاعلى للمؤسسة، شدد الامين العام محمد رفقي على ان العلماء مطالبون اليوم بادوار تتجاوز حدود الوعظ التقليدي، الى العمل التعبوي والتربوي والفكري، باعتبارهم خط الدفاع الاول عن الدين والقيم الانسانية، وحماة الامن الروحي في قارة لا تزال تبحث عن توازنها وسط فوضى المعاني والدلالات. فالمغرب، كما اكد رفقي، اختار ان يظل وفيا لعمقه الافريقي ولامانته الدينية تحت قيادة امير المؤمنين الملك محمد السادس، في توجه يجعل من الروح المشتركة بين شعوب القارة قاعدة صلبة لأي مشروع تنموي او حضاري.

وكان لافتا في كلمة رفقي التأكيد على ان حماية المجتمعات الافريقية هي في جوهرها حماية لدينها وقوتها الثقافية، وان لغة العصر اليوم هي لغة العلم وانتاج المعرفة، بما يفرض على العلماء الابتكار في صياغة رؤى مستقبلية تستجيب للتحولات العميقة التي تعيشها القارة. فالتدين الرشيد المبني على الثوابت المشتركة لم يعد مجرد خطاب، بل اصبح مدخلا لفهم الخصوصيات الثقافية ومواجهة التأثيرات الفكرية والسلوكية التي تفرزها العولمة.

كما حملت مداخلات الدورة اشارات واضحة الى ان مسؤولية العلماء ليست واعظية ولا رمزية فحسب، بل انها امانة اخلاقية تجاه الامة، تستدعي يقظة دائمة في مواجهة التطرف والغزو الفكري، وتستلزم مبادرات عملية لترسيخ الثوابت الدينية وصيانة الهوية الروحية الافريقية. وقد عكست المناقشات العلمية خلال هذه الدورة مكانة المؤسسة كجسر معرفي وروحي، وكأحد اهم فضاءات التفكير في قضايا القارة وتحدياتها العميقة.

وابرز رفقي ان المشاركة الواسعة للعلماء من مختلف الفروع داخل افريقيا تؤكد اتساع دائرة الاهتمام بقضايا المجتمع الافريقي، وتعكس صورة ايجابية للمؤسسة اقليميا وقاريا. كما شدد على ان تنزيل برامج المؤسسة برسم سنة 2026 يتطلب فهما معمقا لظواهر التدين داخل المجتمعات الافريقية من ابعادها الشعائرية والاجتماعية والثقافية واللغوية، داعيا العلماء والعالمات الى الاستثمار اكثر في الانسان باعتباره جوهر التنمية وغايتها.

لقد كان واضحا ان هذا اللقاء لم يكن  دورة تنظيمية فحسب، بل محطة لاعادة طرح سؤال الوعي، وسؤال المسؤولية، وسؤال المستقبل. فافريقيا اليوم تحتاج الى خطاب علمي قادر على جمع الناس حول المشتركات لا النعرات، والى علماء يملكون الشجاعة الفكرية لاستعادة المعنى في زمن الضجيج، والى مؤسسات تضع الاخلاق في قلب مشروع النهضة.

• الناشر ” عندنا .. للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق

You May Have Missed