فاس/ شهادات فكرية على عمق التحولات التي تشهدها قضية الصحراء المغربية ..
في فاس، مدينة العلم والذاكرة، لم تكن الندوة العلمية التي احتضنتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله فعالية أكاديمية عابرة، بل شهادة فكرية على عمق التحولات التي تشهدها قضية الصحراء المغربية، في ضوء القرار الأممي رقم 2797 الذي أكد مجددا على أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الحل الوحيد والنهائي للنزاع المفتعل.
لقد بدا واضحا أن الجامعة المغربية، حين تنطق بلسانها العلمي، لا تنفصل عن نبض الوطن، ولا عن نبل الانتماء. فقد أكد رئيس الجامعة مصطفى إجاعلي أن النجاحات الدبلوماسية التي راكمها المغرب لم تكن صدفة، بل ثمرة رؤية ملكية سامية جعلت من الدفاع عن الصحراء ركيزة في السياسة الخارجية، ومن الوعي بالهوية الوطنية قاعدة لكل انطلاق حضاري. فالمسألة بالنسبة للمغاربة ليست نزاع جغرافي، بل قضية وجود وكرامة وسيادة.
وفي خضم هذه الروح الوطنية، أشار عميد الكلية محمد بوزلافة إلى أن القرار الأممي الجديد ليس فقط انتصارا دبلوماسيا، بل هو تثبيت للشرعية الدولية التي تبارك مقاربة المغرب الواقعية، الداعية إلى حل يقوم على السلم والتنمية، لا على الوهم والانفصال. ولعل انعقاد الندوة تزامنا مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، يضيف إلى النقاش العلمي بعدا وجدانيا يذكّر الأجيال الجديدة بأن مسيرة التحرير لا تزال مستمرة، وإن اختلفت أدواتها، فالعلم اليوم هو السلاح الأمضى، والمعرفة هي المسيرة الجديدة نحو تثبيت الحق والاعتزاز بالانتماء.
أما الباحث عبد الرزاق الهيري فقد استحضر في مداخلته المبادرة الملكية الأطلسية، باعتبارها تجسيدا جديدا لرؤية ملكية تمتد بالوطن من رمال الصحراء إلى آفاق المحيط، لتحول الجنوب المغربي إلى جسر للتكامل الإفريقي والازدهار المشترك. إنها رؤية تؤمن بأن الدفاع عن الأرض لا يكتمل إلا بتنمية الإنسان، وأن المغرب القوي هو الذي يبني بالعلم ما حرره بالإيمان.
ولم يغب عن الندوة صوت العلاقات الدولية، حيث أبرز الأستاذ الحسن الوارث أن فتح أكثر من ثلاثين دولة قنصلياتها في مدننا الجنوبية ليس حدث بروتوكولي، بل إعلان دولي صريح بأن الصحراء مغربية بالفعل، وأن من يحاول إنكار الشمس إنما يحجبها عن نفسه. وتحدث أيضا عن الزخم الاقتصادي المصاحب، وعن الاستثمارات المتزايدة التي بدأت تتجه إلى الأقاليم الجنوبية باعتبارها فضاء واعدا للسلام والنماء.
كما نوه الأستاذ رشيد لمرزكيوي بالدبلوماسية الهادئة التي قادها المغرب في صبر وعزم، حتى أصبحت مواقفه نموذجا في الحكمة والثبات. واستعرض مراحل القضية الوطنية ومسارها الطويل، الذي عبر نصف قرن من المحاولات والرهانات، ليؤكد في النهاية أن التاريخ لا يرحم الوهم، وأن الشرعية لا تهزمها الدعاية.
ومن جهتها، أعادت الأستاذة صليحة بوعكاكة التذكير بأن بيعة أهل الصحراء للسلاطين العلويين ليست طقس ديني، بل عقد سياسي واجتماعي أصيل، يشهد على وحدة الكيان المغربي في جذوره العميقة. أما الباحثة فاطمة الزهراء ماء العينين فقد ربطت الحاضر بالماضي، مؤكدة أن حفظ ذاكرة المسيرة الخضراء واجب وطني، وأن الوعي التاريخي هو الحصن الأول في معركة السيادة والكرامة.
لقد كان لافتا أن الخطاب الجامعي لم يعد يقتصر على التحليل القانوني أو السياسي، بل أصبح يدمج البعد الأخلاقي والتنموي في مقاربة القضية الوطنية. فالدفاع عن الصحراء اليوم هو دفاع عن نموذج مغربي يزاوج بين الأصالة والتجديد، بين الذاكرة والعمل، بين السيادة والوحدة في التنوع.
ولعل الرسالة الأعمق التي خرجت بها الندوة، هي أن الجامعة ليست معزولة عن الوطن، بل هي قلبه النابض، وضميره الذي يذكّره بأن القضايا الكبرى لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بالعلم والصدق والإرادة. فكما استعاد المغرب أرضه بالإيمان، فهو يحافظ عليها اليوم بالمعرفة والتخطيط والرؤية الواضحة.
• جريدة الناشر >> “عندنا للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق