من الصمت إلى الصوت: الصناع التقليديون يتقدمون نحو الحق.. في حضرة ورش الحماية الاجتماعية.
حين يصبح التحسيس أداة خلاص لا دعاية
في الزوايا التي تعبق برائحة الطين والمطر، حيث تتحول الأصابع إلى أدوات نحت، والوجدان إلى أفران صبر، هناك في قلب فاس ومكناس، عاصمة التاريخ الحي، نهضت نخبة من المؤسسات نحو همٍّ ظلّ يتألم بصمت طويل: الصناع التقليديون وحقّهم في الحماية الاجتماعية.
في السادس من يونيو، لم يكن الاجتماع الذي احتضنته غرفة الصناعة التقليدية مناسبة إدارية أخرى تُضاف إلى روزنامة الاجتماعات البيروقراطية، بل كان بمثابة “لحظة صدق إداري”، اختلط فيها وجدان المسؤول بوجع الحِرَف، وامتزجت لغة الأوراق بلغة الشارع التراثي الذي يعيش ويشتغل ويمرض دون أن يتكئ على مظلة اجتماعية تليق بتعبه.
صناعة اللقاء.. وحرفية الأمل
ترأس اللقاء كل من السيد رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس مكناس، والمدير الجهوي للصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بحضور ممثلي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومسؤولين عن ملف العمال غير الأجراء (TNS)، إلى جانب أطر من الغرفة والمديرية.
ما نوقش لم يكن مجرد معطيات تقنية أو إحصاءات جافة، بل كان بحثًا عن جسر بين المرسوم الوزاري والحِرَفي المنسي، بين الخطاب السياسي وصوت المطرقة والنقش . تم الاتفاق على برمجة حملات تحسيسية تُواكِب الصناع، وتشرح لهم ماذا تعني الحماية الاجتماعية، وكيف يمكن أن تكون لهم لا عليهم.
من الورشة إلى “الورش” الوطني
“RNA/AMO”، هذه الأحرف التي تبدو للبعض شيفرة إدارية، هي للصناع التقليديين جواز عبور نحو الاعتراف القانوني والكرامة الصحية. هي ليست فقط خدمة طبية، بل وثيقة انتماء للدولة، إعلان غير مكتوب بأن هذا الصانع الذي يرسم التراث كل صباح يستحق أن يعيش شيخوخةً كريمة، وأن يُعالج في المستشفيات لا في صمت البيوت.
فلسفة التحسيس لا بروتوكول التحصيل
لقد انتقلت الدولة اليوم من منطق الإلزام إلى منطق الشرح، ومن لغة “يجب” إلى لغة “أنت تستحق”. تلك هي القفزة النوعية في العلاقة بين الإدارة والمواطن. لم تعد الحملات مجرد ترويج لقرار، بل مواكبة نفسية وتكوينية وحقوقية، تحمل خلفها روحًا وطنية تُدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من كرامة المواطن البسيط.
أليس من حق صاحب “الطاجين” أن يملك تأمينًا صحيًا كصاحب الشركة؟
أليس الصانع الذي يُطوّع النحاس والخشب والخزف أحق بأن يُطوّع له القانون؟
أليست الإنسانية في أن نحمي من يحملون إرثنا بأيديهم… لا أن نُهمِلهم؟
خاتمة بمذاق الالتزام…
في منصتنا الصحفية التي شعارها: “الخبر له وجه آخر”، لا ننقل الخبر كما هو، بل نفككه، نضعه تحت المجهر، ونبنيه من جديد، بلغة القلب والعقل والضمير.
كتبنا هذا المقال استنادًا إلى ثلاثية لا نتنازل عنها:
الغيرة الوطنية، المصلحة العامة، وحق المواطن في أن يُنصت له لا أن يُلقَّن.
وأنت، قارئنا الكريم، لست متفرجًا على هذا الورش الوطني، بل أنت شريك فيه. فهل ترى أن الخطاب الرسمي بدأ يقترب من حرارة الميدان؟
هل آن أوان أن نُعيد تعريف معنى “العدالة الاجتماعية” لتشمل تلك الأيدي التي بنت زوايانا، وطرزت جلودنا، وزركشت أرواحنا؟
• الناشر



إرسال التعليق