من قاعات الاجتماع الى رهانات الكفاءة: كيف تراهن جهة فاس مكناس على التكوين المستمر لاعادة الاعتبار للعمل الترابي

من قاعات الاجتماع الى رهانات الكفاءة: كيف تراهن جهة فاس مكناس على التكوين المستمر لاعادة الاعتبار للعمل الترابي

في زمن تتعاظم فيه اسئلة الحكامة وتزداد فيه انتظارات المواطنين من المنتخبين ، اصبح  التكوين المستمر رافعة حقيقية لاعادة بناء الثقة بين المؤسسات التمثيلية والمجتمع. من هذا المنطلق ياتي حراك مجلس جهة فاس مكناس الذي احتضن يوم الجمعة 26 دجنبر 2025 اجتماعين مفصليين للجنتي التتبع والتقييم واللجنة الجهوية للتكوين المستمر، في لحظة تنظيمية تحمل اكثر من دلالة وتفتح افقا يتجاوز حدود التقييم الروتيني نحو مساءلة عميقة لجدوى التكوين واثره في الممارسة الترابية.

الاجتماع الاول الذي انعقد في الفترة الصباحية  شكل وقفة محاسبة هادئة لبرنامج التكوين المستمر برسم سنة 2025 لفائدة اعضاء مجالس الجماعات الترابية. وقد تم خلاله الوقوف على مستوى تنفيذ الدورات التكوينية المنجزة، وحصر المساهمات المالية للجماعات، واستحضار الاكراهات التي رافقت التنزيل، في سياق يفرض ربط التمويل بالاثر، والتخطيط بالحاجيات الفعلية للمنتخبين، لا بالاوصاف النظرية للمسؤوليات.

الحضور المتنوع لممثلي العمالات والاقاليم اعطى لهذا اللقاء بعدا تنسيقيا يعكس وعيا متزايدا بان التكوين الترابي  يحتاج الى انسجام مؤسساتي ورؤية مشتركة تضع المنتخب في قلب التحول،  كما شكل الاطلاع على البرنامج الاولي لتكوين سنة 2026 لحظة استشراف، حاول من خلالها المجلس تجاوز منطق التكرار نحو بناء عرض تكويني اكثر التصاقا بتحولات التدبير المحلي ومتطلبات التنمية الجهوية.

اما الاجتماع الثاني الذي انعقد بعد الزوال، فقد انتقل من منطق التتبع الى منطق المصادقة والمسؤولية الجماعية، حيث تمت دراسة التقرير السنوي والمصادقة عليه بالاجماع، في حضور اعضاء اللجنة الجهوية وممثلي الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الشريكة. هذا الحضور الاكاديمي يعكس اختيارا استراتيجيا يراهن على المعرفة العلمية والخبرة الجامعية لرفع جودة التكوين وربطه بالممارسة الواقعية.

العرض الذي قدمه رئيس قسم الموارد البشرية والتكوين كشف بوضوح حجم الجهود المبذولة والتمويلات المتوصل بها، كما فتح النقاش حول ضرورة تنويع صيغ التكوين وعدم حصرها في القاعات المغلقة، عبر الانفتاح على الندوات المتخصصة والزيارات الميدانية وتبادل التجارب، بما يجعل التكوين تجربة حية لا مجرد محاضرات عابرة.

ما يميز هذا المسار هو انه يقدم التكوين  كوسيلة لبناء منتخب قادر على الفهم والتحليل واتخاذ القرار، منتخب يدرك ان الشرعية الانتخابية وحدها لا تكفي دون كفاءة متجددة ومعرفة دقيقة بتعقيدات التدبير الترابي. وهنا بالضبط يتقاطع البعد القانوني للمادة الرابعة من المرسوم المنظم مع البعد السياسي والاخلاقي للمسؤولية العمومية.

في المحصلة، يبعث هذا الحراك برسالة هادئة لكنها عميقة مفادها ان جهة فاس مكناس تراهن على الانسان قبل المشاريع، وعلى الكفاءة قبل الشعارات، وعلى التكوين كاحد مفاتيح اصلاح العمل الترابي. وهو رهان قد لا يظهر اثره فورا، لكنه يشكل استثمارا طويل النفس في جودة القرار المحلي وفي مصداقية المؤسسات المنتخبة، وهي عملة نادرة في زمن التحولات المتسارعة.

• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق

You May Have Missed