من مكناس تبدا معركة الزيوت… مركز تقني جديد يعيد ترتيب اوراق السيادة الغذائية ويضع الفلاح في قلب الرهان الوطني
في وقت تتقاطع فيه اسئلة الغذاء مع رهانات السيادة، وتفرض فيه التقلبات المناخية منطقها القاسي على الحقول والاسواق، جاء افتتاح مركز تقني مخصص لزراعات البذور الزيتية بمدينة مكناس كاشارة هادئة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها، تعلن ان معركة الزيوت النباتية صارت خيارا استراتيجيا يمس الامن الغذائي للمغرب من جذوره.
هذا المركز، الذي احتضنه القطب الفلاحي لمكناس، يقدم نفسه كحلقة وصل مفقودة طال انتظارها بين الفلاح، والمعرفة، والسوق، في سلسلة ظلت لسنوات تعاني من ضعف الهيكلة وتشتت الجهود، رغم اهميتها البالغة في تقليص التبعية للخارج. فالمغرب، كما تؤكد الارقام الرسمية، ما زال يستورد جل حاجياته من الزيوت النباتية، في وقت لا تتجاوز فيه المساحات المزروعة بالبذور الزيتية عتبة رمزية، لا تعكس لا المؤهلات الترابية ولا الخبرات المتراكمة.
ضمن هذا السياق، ياتي المركز التقني الجديد كثمرة لشراكة متعددة الاطراف، تجمع فاعلين مهنيين ومؤسساتيين وطنيين ودوليين، توحدهم قناعة واحدة مفادها ان النهوض بزراعات السلجم وعباد الشمس يحتاج الى تأطير دائم، وبذور محسنة، ومسارات تقنية ملائمة للواقع المناخي المتغير. فالفيدرالية البيمهنية للنباتات الزيتية، التي تقود هذا الورش، تراهن على تنظيم ذكي يربط المنبع الفلاحي بالمصب الصناعي، ويحول الفلاح من حلقة هشة الى شريك فعلي في سلسلة القيمة.
الرهان المعلن طموح لكنه واقعي، رفع نسبة التغطية الوطنية من الزيوت النباتية في افق 2030، من خلال تحسين المردودية، وتعزيز قدرات التحويل الصناعي، وبناء منظومة متكاملة لا تترك الفلاح وحيدا امام تقلبات السوق والمناخ. وهو ما يجعل من هذا المركز فضاء للتجريب ونقل المعرفة، اكثر منه اداة ادارية.
على المستوى الجهوي، تبرز جهة فاس مكناس كنموذج مصغر لهذا التحدي. فبالرغم من توفرها على مؤهلات فلاحية معتبرة، ما تزال زراعات البذور الزيتية محدودة من حيث المساحة والانتاج، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الامكانات المتاحة والنتائج المحققة. فجوة يعزى جزء كبير منها الى ضعف الارشاد الفلاحي، وغياب المواكبة التقنية الدقيقة، وهي عناصر يعول عليها اليوم لسد هذا الخلل واعادة الثقة للفلاح في هذه الزراعات.
ولا ينفصل هذا المشروع عن بعده الدولي، حيث يندرج في اطار تعاون ممتد مع فاعلين اوروبيين، خاصة في ما يتعلق بتبادل الخبرات وهيكلة السلاسل الفلاحية على اسس مستدامة.
* الناشر ” عندنا..للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق