مستشفى ابن باجة في تازة ينتعشُ بزياراتٍ رسمية وتعزيزات طبية: خطوة نحو تجويد الخدمات الصحية
حين يُفتَح باب المستشفى على اسم “ابن باجة”، يُردّد الزّائر أنّ هذا الصرح لا يليق إلاّ بالتميّز والعطاء. لذا، تأتي زيارة اللجنة المركزية والجهوية يوم الخميس 4 شتنبر 2025، لتكسر صمت التحديات، وتعيد لرُوح المستشفى نبض المسؤولية والإنسانية. فهل نكون أمام ميلاد جديد لتجربة صحية في قلب تازة؟ أم أن الطريق ما يزال طويلاً ليُقطَع؟
من داخل المستشفى: تشخيص دقيق وقرارات عملية
في إطار مواكبة الجهود التي تبذلها المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بتازة، حطّت لجنة مركزية بالمنظمة صباح ذاك اليوم بالمستشفى الإقليمي “ابن باجة”، برئاسة مدير الموارد البشرية في الوزارة، وبمشاركة المديرة الجهوية لوزارة الصحة بجهة فاس-مكناس، ورئيس مصلحة الموارد البشرية والمنازعات الجهوية. مهمتها لم تقتصر على الزيارة الشكلية، بل شملت تتبّع سير العمل، والاطلاع الميداني على الحاجيات الكبرى من الأطر الطبية والمعدات الصحية، في مواجهة خصاص حادّ يحدّ من قدرة المستشفى على مواجهة تحديات تلقي العلاج والتكفل الصحيح بالمرضى.
خلصت اللجنة، من خلال زيارتها، إلى ملاحظات عدة تُلخّص الواقع بعبارةٍ واحدة: الإمكانيات المادية والبشرية لا تستجيب لحجم المعاناة. إذ يعاني المستشفى مسلسل انقطاع في التخصصات، وشح في الأطباء، وضعف التجهيزات الطبية المتخصصة، مما يُكبّل قدرته على الاستجابة لانتظارات المواطنين في الاستشارات والعلاجات المتقدمة.
تعزيزات طبية: بارقة أمل أم بداية رحلة؟
ردّت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية هذه المرة بإجراءات ملموسة. تمّ تزويد المستشفى الإقليمي بـ 14 طبيبًا أخصائيًا، موزّعين على مختلف التخصصات، في خطوة تشكّل دفعة نوعية لتعزيز العرض الصحي المحلي. هذه الخطوة لا تقتصر على مجرد زيادة في الأعداد، بل تُعبّر عن خيار استراتيجي لتقليص مواعيد الانتظار وتقديم الاستشارات المتخصصة في آجال معقولة.
بالإضافة إلى ذلك، تمّ تعيين 4 أطباء عامين متعاقدين بمصلحة المستعجلات، في إطار اتفاقية شراكة تجمع بين وزارة الصحة، عمالة إقليم تازة، المجلس الإقليمي، المديرية الجهوية للصحة، الجماعات الترابية، وجمعية التضامن الاجتماعي للأطفال المتخلى عنهم بتازة. ولا يكتمل المشهد دون الإشارة إلى تعاقد إضافي مع 22 طبيبًا عامًا للعمل في المراكز الصحية الحضرية والقروية المعوزة، في خطوة تُرمي إلى سد الخصاص على مستوى القرب الصحي.
هذه التعزيزات الطبية، سواء في المستشفى أو المراكز المحيطة، تُعطي إشارات قوية على أن وزارة الصحة تنظر إلى تازة كميدان للتجربة الحقيقية في تأمين الصحة للجميع في ظروف لائقة.
نحو تجهيزات طبية حديثة وتأهيل مستشفى متكامل
لا يمكن لأي تعزيز بشري أن يثمر إن لم يكن مقرونًا بتجهيزات حديثة تُمكّن الأطباء من أداء مهامهم. من هذا المنظور، أكدت الوزارة أنها ستعمل على تأهيل مصالح المستشفى الإقليمي وتجهيزه بالمعدات الطبية الضرورية. وبهذا التصريح، تبدو الرؤية واضحة: ليس الهدف مجرد رفع عدد الأطباء، بل بناء منظومة صحية متماسكة وقادرة على الاستجابة لواقع الاحتياجات الصحية، من الكشف إلى العلاج، ومن المستعجلات إلى الاستشفاء.
إن هذه الخطوة، ضمن سياسة الوزارة الرامية إلى تجويد الخدمات الصحية وضمان استمرارية المرفق في ظروف جيدة تُلبّي انتظارات الساكنة، تُعيد إلى مجلس القيادة الصحي التزامه الأخلاقي تجاه المواطنين، وخصوصًا أولئك الذين لا يجدون في قربهم الجغرافي ضمانًا للعناية الصحية الكافية.
قراءة في بعد إنساني وأخلاقي: الكلمة لا تُدايِن، ولكنها تحتّم
إن إحياء مؤسسة صحية يعاني خصاصًا حادًّا لا يُعدّ مجرد إنجاز إداري، بل فعل إنساني عميق: فعل يعيد للإنسان كرامته حينما يُؤمّن له حقًا في العلاج في مدينته دون أن يقطع مئات الكيلومترات، أو ينتظر أيّامًا للتشخيص أو الاستشارة.
لكن السؤال يبقى مطروحًا: هل ستُستمر هذه المبادرات إلى أن تصير عادة مؤسسية، لا مجرد حركة ظرفية؟ وهل سيتم توسيع نطاق التغطية الصحية إلى كل قرى تازة ، حتى يشعر كل مواطن أن الحق في الصحة ليس امتيازًا بل شرعية؟
المعلوم أن الكفاءة البشرية والتجهيز المادي ليستا هدفًا في حدّ ذاتهما، بل وسيلتان لتحقيق غاية أخلاقية: أن يشعر المرضى أن “المستشفى”، أيّ مستشفى، هو موئل رحيم، لا مجرد بناية أو اسم يُستدل به على شيء من التنظيم الإداري. وهذا يتطلب من الجميع—وزارة، ومندوبية إقليمية، وأطباء، وجمعيات المجتمع المدني، وساكنة—أن يحملوا شرف المسؤولية.
• الناشر


إرسال التعليق