زيارة وزير التربية بجهة فاس-مكناس : الهدف ،مدارس الريادة وتوسيع العرض التربوي
حين تطأ قدما وزير التربية الوطنية أرض المؤسسات التعليمية، تكون زيارة ميدانية تحمل في طياتها أبعادًا تربوية واجتماعية لا تقلّ أهمية عن الإصلاحات الرسمية. زيارة وزير التربية الوطنية، والتعليم الأولي والرياضة، مرفوقًا بمديري الأكاديمية والتكوين الجهوي، ورؤساء المديريات الإقليمية يوم الإثنين 8 شتنبر 2025، كانت محطة بها إشارة قوية على جدية الإصلاح التربوي، وعلى التزام بإعادة الاعتبار لمفهوم “المدرسة العمومية ذات الجودة”. فهل تتحول هذه الزيارة إلى شرارة فعلية لتقارب بين سياسة الإصلاح وواقِع المؤسسات التربوية؟ وهل ستتم ترجمتها إلى نتائج ملموسة في أقرب الآجال؟
محطات الزيارة: من “لكرم” إلى “عبد اللطيف اللعبي”
في المحطة الأولى، أشرف الوزير على تدشين ثانوية “لكرم” الإعدادية في جماعة لقصير بإقليم الحاجب، ضمن مخطط توسيع قاعدة العرض المدرسي بالجهة. تمثل هذه المبادرة جزءًا من الجهود التي مكنت الجهات من إضافة 47 مؤسسة تعليمية جديدة بمختلف الأسلاك بجهة فاس-مكناس برسم الموسم الدراسي 2025-2026.
في المحطة الثانية، انتقلت الوفد إلى مؤسسة “موسى بن نصر” بجماعة عين الشقف في إقليم مولاي يعقوب، كمثال على مؤسسة رائدة تتهيأ لتقديم فرصة تعليمية متطورة، بفضل بنيتها المادية وتكنولوجياتها التربوية الحديثة.
المحطة الثالثة كانت بمدرسة أحمد بوكماخ بمقاطعة زواغة في فاس، حيث تم تعزيز العرض المدرسي وتفادي التوقيت الثلاثي والاكتظاظ، إلى جانب إدماج وحدة للتعليم الأولي، مما سيساهم في تمهين اندماج الأطفال في جو مدرس يُراعي مراحلهم التنموية.
ثم اختتمت الجولة بزيارة مدرسة عبد اللطيف اللعبي، مدرسة رائدة ودامجة، تضم مركزًا يساعد الأطفال الحاملين للقوقعة على الاندماج الدراسي مع زميلاتهم وزملائهم، مما يفتح آفاقًا جديدة لذوي الاحتياجات الخاصة ولأسرهم في مجال التعليم والحياة المدرسية المشجعة.
مدارس الريادة: تعميم تدريجي ونقلة نوعية
تأتي هذه الزيارات في سياق التوسع الكبير لمشروع مدارس الريادة بجهة فاس-مكناس، الذي شهد هذا الموسم الدراسي انضمام 253 مؤسسة ابتدائية جديدة، لتصل نسبة التعميم إلى حوالي 56 ٪ في الجهة.
أما على مستوى الإعدادية، فقد تم إدخال 66 إعدادية رائدة جديدة، ليصل مجموعها إلى 96 إعدادية رائدة، بنسبة تعميم تبلغ نحو 33 ٪.
ولضمان الجودة والنجاع، عمدت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة فاس-مكناس إلى توفير تجهيزات حديثة، وتكوين مكثف للأطر التربوية، وعمليات مواكبة ميدانية، عبر مقاربات بيداغوجية مبتكرة مثل “التدريس حسب المستوى المناسب” (TaRL) والتعليم الصريح.
بين التوسع والبُعد الاجتماعي: المدرسة كفضاء للتقارب
إن التوسع في العرض المدرسي، وتعميم مدارس الريادة، لا يُعدّ مجرّد أرقام وإحصائيات، بل هو فعل اجتماعي يحمل في طياته أبعادًا جغرافية ومجالية وإنسانية: تمكين التلميذات والتلاميذ في العالم القروي من متابعة دراستهم في مؤسسات تربوية قريبة من منازلهم، بشروط مواتية تؤمن الاستمرارية التربوية وتقوّي التلاميذ أمام مخاطر الهدر المدرسي.
المدرسة اليوم ليست فقط بيت العلم، بل هي فضاء للتفتح، للتقارب، للتكامل بين متطلبات النمو المدرسي والحاجات التنموية والاجتماعية: التعليم الأولي في مؤسسة زواغة، الإدماج في مدرسة عبد اللطيف اللعبي، والهياكل المدرسية المهيكلة في مؤسسة “موسى بن نصر” تعكس توجهًا واضحًا نحو جعل المدرسة عموميّةً، قريبةً، دامجة، وتحضّر لمستقبل أكثر إنصافًا وجودة للجميع.
من الإصلاح إلى النتائج: رهانات ومسؤوليات
زيارة الوزير الميدانية تعدّ فرصة لتقييم مدى الانسجام بين الشعارات الرسمية والإجراءات الميدانية. فالتوسع في عدد المدارس والمؤسسات الرائدة هو تحول مهم، لكنه ليس كافيًا إذا لم يُرافقه:
اولا،تجهيز فعلي وكافٍ للمؤسسات الجديدة من حيث الأدوات الرقمية، المختبرات، مرافق التعليم الأولي، وحدات الإدماج والدعم النفسي والاجتماعي.
ثانيا،تكوين دائم ومواكبة مهنية للأطر التربوية لتفعيل المقاربات الجديدة، لا سيّما منها التعليم الصريح والمواكبة الفردية، وربط الأنشطة الموازية بمخططات التنمية المدرسية الفعلية.
ثالثا،متابعة مستمرة ودقيقة لنتائج هذا التوسع من حيث انخفاض نسب الهدر المدرسي، وتحسن نتائج التلاميذ الأكاديمية، وارتفاع معدلات النجاح والانتقال، لا أن يصبح “مشروع ريادة” مجرد عنوان شكلي.
ورابعا،مشاركة فعالة للمجتمع المدني والأسر والسلطات المحلية في إنجاح هذا النموذج، من خلال إشراكهم في التوجيه وتقييم الأداء، وإشعارهم بأن المدرسة هي مشترك مجتمعي، وليس تنفيذًا منفردًا من أعلى إلى أسفل.
تحديات ورهانات مدارس الريادة
زيارة الوزير كانت رسالة واضحة: مدرسة الجودة ليست خيارًا بل ضرورة، ومدارس الريادة ليست شعارًا بل مسارًا إصلاحيًا يتطلّب التزامًا جماعيًا ومتابعة حقيقية. الآن، يبقى السؤال مطروحًا: هل سيتم تحويل هذه الدينامية إلى فعل يومي، يُلمسُ من طرف التلميذات والتلاميذ وأسرهم؟ وهل سنشهد في موسم دراسيّ أو إثنين نتائج ملموسة تُعزّز ثقة المواطنين بالمرفق العمومي وبالقدرة التربوية على التأثير الإيجابي في حياة الأطفال والمجتمع؟
• الناشر


إرسال التعليق