فاس.. تلاقي أرواح إفريقيا على مائدة القرآن الكريم
في زمن تتقاذفه صخب السياسة وضجيج الاقتصاد، تظل للروح مرافئها الآمنة، وللقلب سكناته المباركة. وفاس، مدينة العلم والروح، تعود لتحتضن لقاءً ليس كبقية اللقاءات: لقاء تتعانق فيه الأصوات الندية من أعماق القارة الإفريقية، وهي ترتل آيات الله بخشوع يزلزل النفوس ويحيي الأمل.
من 26 إلى 28 شتنبر الجاري، تتحول فاس إلى قبلة للقلوب ، حيث تُنظم الأمانة العامة لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة نهائيات الدورة السادسة للمسابقة القرآنية الكبرى في الحفظ والترتيل والتجويد، في مشهد يرسخ رسالة المغرب في رعاية القرآن ونشر قيمه بين الأجيال.
117 صوتًا يضيئون سماء القرآن
يشارك في هذه الدورة 117 متسابقًا ومتسابقة، بينهم 13 شابة إفريقية، يتنافسون على المراتب الأولى في ثلاث شعب قرآنية:
الحفظ الكامل مع الترتيل برواية ورش عن نافع. ،الحفظ الكامل بمختلف القراءات والروايات الأخرى. والتجويد مع حفظ خمسة أحزاب على الأقل.
ولأن للقرآن أهله، فقد أوكلت مهمة التحكيم إلى لجنة علمية متخصصة تضم علماء وقراء من المغرب وموريتانيا وبوركينا فاسو وكوت ديفوار ونيجيريا وتشاد وإفريقيا الوسطى والسودان وإثيوبيا وتنزانيا والصومال، ليكون التقييم علميًا رصينًا يعكس قدسية المقام.
بين الحضور والبعد.. وحدة القلوب
رغم أن المسابقة تُقام عن بعد عبر تقنية التناظر المرئي (Zoom)، إلا أن فريقًا تقنيًا مركزيًا من فاس، بالتنسيق مع فروع المؤسسة في 48 بلدًا إفريقيًا، يسهر على ضمان جودة البث والمتابعة، لتتحول الشاشات إلى نوافذ على أرواح متصلة، تتشارك النور ذاته من مواقع متباعدة.
هذا الأسلوب في التنظيم عن بعد لا يقلل من حرارة الحدث، بل يرسخ مبدأ المشاركة الواسعة والانفتاح، ويؤكد أن القرآن يختصر المسافات ويجمع القلوب.
من توصية إلى تقليد مبارك
ولدت فكرة هذه المسابقة من رحم توصية أصدرها المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في دورته الثانية بفاس سنة 2018، لتصبح تقليدًا سنويًا راسخًا. وعلى مدى خمس دورات سابقة، وأثبتت هذه المبادرة نجاحها في جعل القرآن همزة وصل بين الأجيال الإفريقية، وبوصلةً للقيم الجامعة.
وخلال شهري ماي ويونيو الماضيين، نظمت فروع المؤسسة عبر القارة أطوارًا إقصائية محلية، ليتم اختيار المتأهلين الذين يمثلون بلدانهم في هذا العرس القرآني الفريد.
القرآن.. جسر الهوية والروح
تسعى هذه التظاهرة إلى أكثر من مجرد منافسة: إنها رسالة لتقوية الصلة بين الشباب الإفريقي المسلم وكتاب الله العزيز، ولتغذية أرواحهم بماء الطمأنينة، وتثبيت هويتهم في عالم متغير.
فالقرآن هنا ليس نصًا متلوًا فحسب، بل جسرًا بين الشعوب، ومنارةً تضيء الدروب، وعهدًا أخلاقيًا وإنسانيًا يحفظ الأمة في قلب العاصفة.
فهل ندرك – نحن أبناء اليوم – أن مثل هذه المبادرات ليست مجرد احتفالات رمزية، بل خطوط دفاع صامدة عن هويتنا وذاكرتنا الروحية؟
وهل سنكون أوفياء لحمل هذا النور في حياتنا العملية والاجتماعية، كما نحمله في التلاوة والتجويد؟
إنها أسئلة مفتوحة أمام كل قارئ، لتبقى الكلمة النبيلة شرفًا ومسؤولية، والقرآن الكريم ميثاقًا خالدًا يربط الأرض بالسماء.
• جريدة الناشر >> “عندنا…للخبر وجه آخر”
annachir.com
chabab.presse@gmail.com
WhatsApp :0661835959

إرسال التعليق