سعيد العفاسي… حينما يتحوّل اللون إلى فكر، واللوحة إلى حوار إنساني..

سعيد العفاسي… حينما يتحوّل اللون إلى فكر، واللوحة إلى حوار إنساني..

ليست اللوحة مجرّد سطحٍ مطليّ بالألوان، بل قد تكون بوابةً إلى عالم من الأسئلة، فضاءً تتقاطع فيه الحواس مع الفكرة، وتلتقي فيه الذاكرة مع الحلم. هكذا يقدّم الفنان المغربي سعيد العفاسي تجربته، كاشفًا لنا أن الفن ليس ترفًا بصريًا، بل خطابٌ ألمعي ثقافي وإنساني عميق، يقرأ ما بين السطور ويرسم ما بين اللحظات.

بدايات من فاس… مدينة الحرف والروح

منذ سنواته الإعدادية بمدينة فاس، حمل العفاسي بذرة الوعي والتمرد الإيجابي. كان قريبًا من جلسات المناظرة والقراءة ، حيث احتك بعوالم الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والأدب والشعر. هناك تفتّح ذهنه على أسئلة كبرى وصار يمارس النقد بجرأة، مؤمنًا أن الجمود لا يصنع إنسانًا حرًّا ولا فنانًا أصيلًا.

من التقنية إلى الفلسفة: رحلة بين الشكل والمعنى

انتقل العفاسي إلى الدار البيضاء حيث تلقّى تكوينًا متينًا بالمدرسة التقنية للفنون التشكيلية، لثلاث سنوات صقلت موهبته وأكسبته أدوات دقيقة لفهم اللون والفراغ والظل والضوء. ثم واصل دراسته الأكاديمية في كلية الآداب بفاس، متخصّصًا في الفلسفة وعلم الاجتماع، ليضيف لبُعده الفني عمقًا نقديًا واجتماعيًا. كانت تلك المرحلة مدرسة ثانية، حيث انخرط في النضال الطلابي مؤمنًا أن الدفاع عن كرامة الطالب لا ينفصل عن كرامة المجتمع.

بين المعرض والمدينة: فاس ملهمة الألوان

حين افتتح معارضه الفردية، لم يقدّم لوحات صامتة، بل فضاءات حيّة تفتح حوارًا بصريًا مع المتلقي. استلهم من معمار فاس وزخارفها، من جامع القرويين وروحها الصوفية، ومن أعلام الفكر مثل ابن عربي والغزالي. كل ذلك صاغ لوحات تمزج بين الحداثة وجذور التراث، بين الحرف والرمز، بين الواقع والحلم.

لغة اللوحة: من الحواس إلى التأمل

لوحات العفاسي ليست انعكاسًا عابرًا، بل هي نصوص مفتوحة. تبدأ رحلتها مع العين كصورة حسية، لتتحوّل عبر الإدراك إلى معانٍ مشبعة بالرموز والدلالات. في أعماله، يذوب الجزء في الكل، كما تتآلف الألوان والأشكال في وحدةٍ تنبض بالحياة. هكذا يصبح الغموض طريقًا إلى الاستبصار، والصراع مدخلًا إلى المعرفة.

الفن كمسؤولية لا كترف

إن تجربة سعيد العفاسي تذكّرنا أن الفن ليس رفاهيةً للتزيين، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية. إنه يحيي ذاكرة المكان، يفتح جسور الحوار بين الثقافات، ويدعو إلى وعيٍ يتجاوز ظاهر الأشياء. فكل معرض عنده أشبه بمركب عبور نحو ذاتٍ أعمق ومجتمعٍ أنضج.

خاتمة: دعوة إلى الوعي والجمال

أليس الفن في جوهره مرآة لضمير الأمة؟ أليس اللون حين يُخلص لصاحبه يصبح أداة وعي لا مجرد زينة؟
إن رحلة سعيد العفاسي تُلهمنا أن نعيد النظر في علاقتنا بالفن، وأن نقرأ ما بين السطور، نرى ما وراء اللون، ونحيا الجمال كمسؤولية لا كترف.
دعونا إذن نتسلح بالوعي، وننخرط في قراءة ما يُعرض علينا بعين ناقدة وروح بنّاءة. ففي النهاية، ليس النجاح غايةً فردية، بل وسيلة لخدمة الجميع، وخطوة في مسار بناء مغرب أفضل؛ مغرب يجمع بين الإبداع والوعي، بين الروح الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية.

 الناشر >> “عندنا…للخبر وجه آخر”

annachir.com

chabab.presse@gmail.com

WhatsApp :0661835959

إرسال التعليق

You May Have Missed