فاس تستنشق الأمل مشروع بيئي جديد يعيد للمدينة أنفاسها المفقودة

فاس تستنشق الأمل مشروع بيئي جديد يعيد للمدينة أنفاسها المفقودة

مقدمة: حين يضيق الهواء… تتكلم الأرض

في الصباحات التي يختلط فيها نسيم فاس بعبق تاريخها، تظلّ رائحة المطرح العمومي تطارد أنفاس الأحياء المجاورة، تُذكّر بأن الأرض حين تُهمل تشكو، وحين تُسمع شكواها تكون قد بلغت حدّ الصبر.
اليوم، تتهيأ المدينة لخطوةٍ تُعيد إلى هوائها الحياة، بعد أن أعلن المجلس الجماعي عن إطلاق مشروع جديد لمعالجة الروائح الكريهة المنبعثة من مطرح النفايات العمومي، بغلاف مالي قدره 20 مليون درهم، ضمن اتفاقية للتدبير المفوض بين جماعة فاس والشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس – مكناس.
مشروع لا يُعنى فقط بالتقنية، بل بروح المكان، وكرامة الإنسان، وبحقّ المواطن في أن يتنفس دون خوف أو امتعاض.

خلفية المشروع: بين التحدي البيئي والإرادة الجماعية

منذ سنة 2004، والمطرح المراقب بفاس يستقبل يوميًا ما يقارب ألف طن من النفايات الصلبة على مساحة تمتد إلى 110 هكتارات.
ورغم أنه كان في بداياته نموذجًا للتثمين الطاقي عبر استغلال غاز الميثان والتوليد المزدوج للطاقة، إلا أن تسرب العصارة الناتجة عن تفاعل المياه مع النفايات جعلت منه مصدرًا دائمًا للروائح المزعجة، حتى غدت بعض الأحياء المجاورة أسيرة هذا الاختناق اليومي.

إن إشكالية العصارة ليست بيئية فحسب، بل صحية واجتماعية أيضًا، إذ تمتد آثارها إلى مرافق حيوية مجاورة كالمركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني والمركب الرياضي لفاس، فضلاً عن المدارس والمساكن، مما جعل المشروع البيئي الجديد ضرورة مُلحّة لا ترفًا إداريًا.

تفاصيل الاتفاقية: رقمٌ يحمل رائحة الأمل

بموجب الاتفاقية الجديدة، تلتزم الشركة الجهوية بتنفيذ المشروع على مرحلتين:

المرحلة الأولى: تركيب منظومة حديثة لمعالجة الانبعاثات، بغلاف مالي قدره 2,5 مليون درهم.

المرحلة الثانية: استغلال وتشغيل المنشأة لمدة ثلاث سنوات بعد التسليم المؤقت، بكلفة تبلغ 17,5 مليون درهم.

وستضع جماعة فاس العقار اللازم رهن إشارة المشروع، فيما تُنجز الصفقات عبر مسطرة التفاوض، نظرًا للطابع الاستعجالي البيئي والصحي الذي لا يحتمل بطء المساطر الإدارية.

بين التقنية والكرامة: حين يتقاطع الإنسان مع القرار

ليس المشروع مجرّد صفقة مالية أو تقنية؛ إنه إعلان ضمني بأن كرامة المواطن تبدأ من جودة الهواء الذي يتنفسه.
لقد آن الأوان أن يتجاوز مفهوم “البيئة” في وعينا حدود التشجير والتنظيف، ليصبح فلسفة حياة ومسؤولية جماعية. فكل طن من النفايات التي تُعالج بشكل سليم هو ربح أخلاقي قبل أن يكون ربحًا اقتصاديًا، وكل مشروع يُعيد للمدينة هواءها هو استثمار في الوعي قبل أن يكون استثمارًا في الأرض.

ولأنّ الرياح الشرقية وموجات الحرّ تزيد من انتشار الروائح على مئات الأمتار، فإن المشروع يأتي كتدبير وقائي واستباقي لحماية فاس من أزمة بيئية قد تتفاقم مع مرور الزمن، خصوصًا مع قربها من منشآت تستعد لاستضافة تظاهرات وطنية وقارية كبرى.

رؤية بعيدة: من معالجة الروائح إلى تثمين الوعي

إن هذا المشروع يشكل اختبارًا حقيقيًا لمنظومة الحكامة البيئية في المغرب، ومدى التزام الجماعات الترابية بثقافة الشفافية والمساءلة.
فالرهان اليوم ليس على تركيب الأجهزة فحسب، بل على مأسسة الوعي البيئي داخل الإدارة والمجتمع معًا.
فحين تُراقب الجماعة الأداء لا لتوقيع التقارير بل لتحسين الفعل، وحين يُسائل المواطن المسؤول لا من باب الشك بل من باب الشراكة، حينها فقط يمكن القول إن المشروع نجح.

خاتمة: أنفاس فاس… مرآة لضمير وطن

هل يكفي أن تُنجز المشاريع، أم أن المطلوب أن تُصان روحها؟
وهل يمكن لمدينةٍ أن تتنفس الصدق في التنمية كما تتنفس هواءها؟
إن نجاح هذا المشروع لن يُقاس فقط بتراجع الروائح، بل بمدى ما يخلّفه من ثقافة وعيٍ ومسؤولية، تجعل من حماية البيئة واجبًا يوميًا لا مناسبة إعلامية.

فاس اليوم تُعالج رائحة المطرح، لكنها في العمق تُعالج ما هو أعمق: رائحة الإهمال، وخمول الوعي، وغياب المشاركة.
ولعلّ هذا المشروع، بما فيه من صدق النية وجدّية التنفيذ، يكون نواةً لمغربٍ جديدٍ لا يترنّح بين الحلم والواقع، بل يسير بخطى ثابتة نحو مغرب يجمع بين الروح الإنسانية والعزم الأخلاقي في العمل الوطني.
مغربٌ يكون النجاح فيه وسيلةً للخير لا غايةً للنفوذ، وسلاحه الأقدر هو الوعي، والمعرفة، والقيم التي تُغذّي العمل.
هكذا فقط تُصان المدن… وتتنفس الأوطان.

  الناشر >> “عندنا…للخبر وجه آخر”

annachir.com

chabab.presse@gmail.com

WhatsApp :0661835959

إرسال التعليق

You May Have Missed