حين تُزهر الكلمة على المنابر : تأملات في يوم تتويج الفائزين بجائزة المجلس العلمي الأعلى للخطبة المنبرية بمكناس
يا لفرحة النفس حين ترى أن الكلمة ليست حلماً مهدوراً، بل تُقَبَّل وتُكرَّم وترتقي إلى مرتبة الاعتراف. في مكناس، مساء الخميس التاسع من أكتوبر 2025، اجتمع الجمع في فضاء الأوقاف ليُشهد تكريم خطباء كرام، فغدت القاعة عرساً للغة والضمير، واحتفاءً بقداسة القول وبسحر التعبير.
تُسجَّل هذه اللحظة في ذاكرة الفكر كرمزٍ لامتزاج الإيمان بالمسؤولية. فالخطابة ليست رفعة على منصة، بل جسر يمتد من قلب الخطيب إلى روح السامع، يلتقط نبض القضايا، يهتدي إلى عمق الإنسان. فعندما يُكرَّم من أدرك هذا، ويُؤَيَّد من سار في هذا الدرب، نعرف أن المنبر لم يزل حيّاً.
في خطبته، استعرض الكاتب العام للمجلس سعيد شبار ما ينبغي أن تكون عليه الخُطبة: تبليغ، بيَان، تعليم، ترميم للنفس والمجتمع. وجعلها أيضاً وسيلة لحماية الوحدة الوطنية ودعم الإصلاح. وفي هذه الكلمات، تشرق الرؤية بأن الخطاب الديني ليس منفصلاً عن قضايا الوطن، بل هو منبع يُضيء الطريق عندما تكون الدولة والمجتمع في بحث دائم عن الهوية الصحيحة.
أما الخطباء المتوجون، فكان اختيارهم إشارة إلى أن الجيد لا يُنسى. ففي فاس ودرعة – تافيلالت، في حواضن التعدد والخصوصية، برزت أسماء اختارت أن تُفرّغ وجودها لرسالة تتجاوز الذات. ومن بين هؤلاء، كان محسن غشوي قائلاً: “إن هذه الجائزة ليست هبة للمنبر فقط، بل دفعة ليكون الخطيب حاملاً للكلمة بسلاح العزيمة.”
لكن في الوعي أن نعلم أن التكريم لا ينتهي عند اللحظة، بل يبدأ منه. إن المطلوب الآن ترسيخ آليات المتابعة، وتكوين مستمر يشرك جميع الخطباء، واختيار مواضيع تراعي هموم الناس، وتجعل المنبر مرآة لواقع الأمة، لا مرآة موهومة تفقد الاتصال بضمائر الناس.
وهنا، أمام سكون اللحظة، نُسأل: هل ستسكن الكلمة بعد التكريم، أم ستنطلق؟ هل تكفي لحظة التوهّج أم نريد دوام البريق؟ إن الجمال الحقيقي لا يكمن في التزيين، بل في أن تنبض الفكرة بصدر خاشع، تُنفَذ إلى القلب . فليكن تكريم اليوم ميلاداً جديداً، لا محطة نهائية. لتُضيء الكلمة الظلمة، ولتكن المنابر منارات تحمل نور الوعي والقيم. فالكلمة التي تُنقَّى بالعقل والضمير لا تُهزم، وللمغرب أن يحيا بمزيج الكلمة والعدل، وبالروح والعمل، وبالتميز والمساءلة، ليكون وطنًا تُفتخر به الأجيال، لا مكانًا يترنّح فيه الحلم بين النسيان والسطحية.
الناشر >> “عندنا…للخبر وجه آخر”
annachir.com
chabab.presse@gmail.com
WhatsApp :0661835959

إرسال التعليق