الإحصاء في المغرب: بين التوثيق والقيادة. المحمدية تبحث البُعد المعنوي للبيانات..
احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية قبل يومين لقاءً علميًّا يحمل في طيّاته جرعة من الأمل والتحدّي. تحت شعار «قيادة التغيير بإحصاءات وبيانات عالية الجودة لفائدة الجميع»،حيث اجتمعت وجوه فكرية من طلبة وباحثين وإداريين، ليغدو ذلك الموعد احتفالاً باليوم العالمي للإحصاء، وتأكيدًا على أن الأرقام ليست رموز جامدة، بل هي نوافذ تُضيء المسارات وتمنح المجهول مقدارًا من الوضوح.
ترأس اللقاء المدير الجهوي للمندوبية السامية للتخطيط بجهة الدار البيضاء – سطات، محمد القرفاوي، الذي لم يأتِ ليقرّ بمفهوم باهت، بل ليحرض على تفكير متحرّر: قال” إن اختيار كلية المحمدية لم يكن محض صدفة، بل رسالة إلى الطلبة والباحثين أن عالم الإحصاء ليس حكرًا على المختبرات، بل حقلًا يمتد إلى قاعات النقاش، وإلى قراءات الواقع قبل تنميطه”. لقد وضع القرفاوي بين أيدي الحاضرين نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، داعيًا إلى تذوق الأرقام كقصص تُروى، لا كجداول تُعرض.
من ناحيته، أضاء محمد شادي، عميد الكلية، على البعد البشري لهذه الأدوات: فمهما بلغ بريق المعادلات، فإنها تبقى بلا روح إن لم ترسُم دلالة في عيون الباحث. وأكد أن الإحصاء يُعلِّم الطلبة أن يكونوا قارئين للواقع لا مجرد ناقلين له، وأنهم حين يفهمون الأساليب، سيصبح التفسير أقوى من الحساب، والحجة أقوى من النقل.
لم يكن اللقاء حوار محلي، بل شريكًا في دينامية وطنية تُحتفى بها كل خمس سنوات، إذ نظّمه المندوبية الجهوية بشراكة مع بنك المغرب وصندوق الأمم المتحدة للسكان، وساهم في عرض مطوّر لنظام المعلومات الجغرافية والدراسات الإقليمية. وقد حضرت في النقاشات التحديات المعاصرة: جودة البيانات، التنسيق بين المؤسسات، الشفافية، التعددية الإحصائية، وكيفية تسخير أدوات التحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي لخدمة سياسات تنموية مدروسة.
وعلى هامش هذا اللقاء، استلهم العديد من الحضور فكرة أن الإحصاء ليس نهاية، بل وسيلة: وسيلة لطبخ السياسات العامة على نار المعرفة، وسلامة اتخاذ القرار، ومساءلة الأداء. ففي مجتمع يقرأ بياناته، تُصبح الحكامة ليست شعارًا يُذبل في كلمات التقارير، بل ثقافة تتغلغل في أعماق المؤسسات والممارسات.
لكن أمام هذا الحراك الإيجابي، تبرز الأسئلة التي لا يجوز أن تمرّ من دون أن تُوضع تحت المجهر: كيف نجعل من كل معطى إحصائي مدخلاً لمساءلة حقيقية؟ كيف نحيل البيانات إلى قوة تُغيّر واقع الناس لا أن تُقسِمهم إلى أرقام؟ ما دور المواطن والبحث الأكاديمي في مراقبة الأداء بناءً على تلك الأرقام؟و كيف نمنع أن تتحوّل البيانات إلى ورق جميل، لا تعانق الواقع إلا في الاحتفالات؟
ختامًا، فإن الاحتفاء بالإحصاء في المحمدية ليس مناسبة أخرى ضمن ظاهرة سنوية، بل فرصة لإحياء ثقافة العدد والقراءة، ولإطلاق عقل يمتد إلى المستقبل. فإذا كانت المعطيات دقيقة، فإن القرارات ستكون عادلة؛ وإذا ارتقت الأسئلة، فستُصاغ السياسات بمنهجية. فهل نأخذ المبادرة جميعًا، كي لا يبقى الإحصاء مجرّد احتفال، بل سلمًا نبنيه نحو مغرب يقرأ نفسه قبل أن يُكتب من الخارج؟
* الناشر >> “عندنا…للخبر وجه آخر”



إرسال التعليق