المسيرة الخضراء.. الى طرفاية يركض الوطن في ذاكرة العزم
١من طنجة إلى الداخلة، يمتد الشريط الرمزي لسباق التناوب الوطني، ليعيد إلى الأذهان نبض المسيرة الخضراء في ذكراها الخمسين. سباق لا يتسابق فيه العداؤون فقط، بل تتسابق فيه القيم، وتتنفس فيه الروح الوطنية كلما ارتفع العلم المغربي على كتف بطلٍ يحمل في عينيه تاريخ أمةٍ لا تنسى خطاها. انطلقت المرحلة الثانية عشرة من هذه الملحمة بطرفاية، حيث سلّم عامل الإقليم محمد حميم العلم الوطني للبطلة الدولية زهرة وعزيز، لتبدأ جولة جديدة تربط طرفاية بالعيون، مرورًا بجماعة الطاح التي ما زالت تختزن رموز الذاكرة الجماعية للمسيرة الخضراء المظفرة.
الحدث، المنظم تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس، ليس تظاهرة رياضية فحسب، بل تجديدٌ للعهد مع واحدة من أنصع صفحات التاريخ الوطني. فقد أكدت نزهة بدوان، رئيسة الجامعة الملكية المغربية للرياضة للجميع، أن هذا السباق مناسبة لترسيخ رمزية المسيرة، ولإشراك الأجيال الجديدة في استحضار معانيها. فهنا، على رمال الصحراء التي ناداها الحسن الثاني ذات يوم، يلتقي التاريخ بالرياضة، ويصير الركض امتدادًا للمسير، وتصير كل خطوةٍ نحو الجنوب تأكيدًا على الثبات والوحدة والوفاء.
زهرة واعزيز، العداءة التي رفعت اسم المغرب في سماء البطولات العالمية، لم تكن تحمل العلم فحسب، بل كانت تحمل معه ذاكرة شعبٍ آمن أن النصر يُكتب بالصبر والإيمان قبل القوة. مثلها مثل كل الأبطال المشاركين، تمثّل نموذجًا للمغربي الذي يصنع مجده بعرق الجبين، لا برصيد الشعارات. ومن طنجة، حيث انطلقت الشرارة في 15 أكتوبر، إلى الداخلة، حيث ستُختتم المسيرة في السادس من نونبر، يواصل المشاركون عبور المدن والبوادي، حاملين رسالة مغرب لا يتعب من الجري نحو الغد.
لكن ما يجعل هذا الحدث أكثر من مجرّد سباق، هو أنه يذكّرنا بأن المسيرة الخضراء ليست ذكرى تُحتفل بها كل عام، بل قيمٌ تُمارَس كل يوم: في الإخلاص، في العطاء، في الإيمان بمغربٍ واحدٍ من طنجة إلى الكويرة. إنها تربية وطنية في ثوب رياضي، وجسر رمزي بين الأجيال. وحين يشارك فيها أبطال رفعوا راية البلاد في المحافل الدولية، فإنهم لا يعيدون فقط أمجادهم الفردية، بل يُسهمون في كتابة فصلٍ جديدٍ من قصة وطنٍ لا يشيخ.
في النهاية، ليس المهم أن نعرف من يصل أولاً، بل من يحمل الوطن في قلبه طوال الطريق. فالمسيرة لم تكن يومًا سباقًا على المسافات، بل امتحانًا في الوفاء. واليوم، ونحن نستعيد خطاها في رمال الجنوب، ألا يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل ما زلنا نحمل شعلة الإيمان بالمغرب كما حملها أولئك الذين لبّوا نداء الوطن؟ وهل نحسن الجري في مضمار المسؤولية كما أحسنوا المسير في طريق الكرامة؟
إن الوطن، في جوهره، ليس أرضًا تُورّث، بل معنى يُمارس. ومسؤوليتنا جميعًا أن نبقي هذا المعنى حيًّا، بالصدق في العمل، وبالنية الحسنة في خدمة الناس، وبالعزم على بناء مغربٍ لا يلهث وراء المكاسب، بل يسعى إلى النجاح الذي يخدم الجميع، والكرامة التي لا تحتاج إلى تبرير. هكذا فقط تظل المسيرة مستمرة… لا في الرمال، بل في الضمائر.
* الناشر >> “عندنا…للخبر وجه آخر”



إرسال التعليق