مراكش نبض المقاولات الصغيرة ..وروح الاقتصاد الواعد..
في مراكش يتجلى روح الاقتصاد المغربي في مشهد صامت لكنه نابض بالحياة: المقاولات الصغيرة والمتوسطة، هذا العمود الفقري الذي يحمل على كتفيه 85 في المائة من اليد العاملة بجهة مراكش آسفي. هي في الآن أرقام في تقرير صادر عن المرصد المغربي للمقاولات، و هي حكاية جهد يومي، وعرقٍ لا يجف، وسعيٍ متواصل نحو غد أكثر إشراقا.
فمنذ سنة 2016 إلى 2023، قفز عدد المقاولات المنخرطة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من تسعة عشر ألفا إلى اثنين وثلاثين ألفا وتسعمائة وستين مقاولة، وهو مؤشر على دينامية العمل والإصرار على النهوض رغم العواصف التي هزت الاقتصاد العالمي بعد الجائحة. أما الأجراء المصرح بهم فقد تجاوز عددهم ثلاثمائة وتسعة وثلاثين ألفا، ما يعكس تعافي سوق الشغل واستعادته لأنفاسه ببطء وثقة.
لكن اللافت في هذه النهضة هو الحضور النسائي المتصاعد. ثلاث نساء من كل عشر في سوق العمل، وسبعة عشر فاصل ستة في المائة من المقاولات تدار بعقول نسائية طموحة لا تعرف المستحيل. فنساء الجهة لم يعدن مجرد عاملات في الظل، بل قائدات في قطاعات التعليم والصحة والصناعة التحويلية، يقدن بخطى ثابتة نحو اقتصاد أكثر عدالة وتنوعا.
قطاع التجارة والبناء والصناعة التحويلية ما زال يمسك بزمام الحركة الاقتصادية، مساهما بما يقارب ثلثي رقم المعاملات الإجمالي. أما قطاعا الإيواء والمطاعم، فهما عنوان السياحة وروح مراكش، يحتضنان ما يقارب نصف القيمة المضافة للجهة. ورغم استقرار النسيج المقاولاتي بعد الجائحة، ما تزال المقاولات الصغيرة جدا تشكل تسعين في المائة من مجموع المقاولات النشيطة، تتمركز أغلبها في عمالة مراكش، حيث القلب النابض للإبداع والعمل.
لكن التحديات لا تزال قائمة، خاصة في مجال التمويل. فقد انخفض عدد المقاولات المستفيدة من القروض البنكية بنسبة تجاوزت عشرة في المائة سنة 2023، لتستفيد عشرة آلاف مقاولة فقط بإجمالي تمويلات بلغت واحدا وعشرين مليار درهم. ورغم أن قطاع التجارة استحوذ على النصيب الأكبر من هذه القروض، فإن حضور المقاولات النسائية ضمن المستفيدين بنسبة تجاوزت ستة عشر في المائة يبعث على التفاؤل بقدرة المرأة على اقتحام مجالات التمويل والاستثمار بثقة متزايدة.
هذه المعطيات الرسمية هي مرآة تعكس صورة مغرب يتحرك بإصرار نحو التوازن بين العمل والعدالة، بين الإنتاج والمشاركة. ففي الأرقام تنبض قصة مجتمع يسعى إلى تجاوز التحديات بالوعي، وإلى تحويل الصعوبات إلى فرص من خلال إرادة جماعية لا تعرف الاستسلام.
ويبقى السؤال المفتوح الذي يطرق ضمير كل قارئ: كيف نحافظ على هذا النفس المقاولاتي المتوثب دون أن نغفل البعد الإنساني والأخلاقي في التنمية؟ كيف نصنع مغربا لا تُقاس فيه القيمة بعدد المعاملات، بل بعمق الأثر؟ لأن النجاح الحقيقي لا يكمن في تراكم الأرقام، بل في صدق النوايا التي تبني المشاريع، وفي عقول تؤمن أن الازدهار لا يكون إلا حين تمتد اليد المنتجة إلى اليد المحتاجة، وحين يجتمع وعي المواطن مع مسؤولية الدولة لصياغة مستقبلٍ يليق بكرامة الإنسان.
هكذا فقط، نصنع مغربا لا يترنح بين الحلم والواقع، بل يمضي بخطى واثقة في درب الخير الشامل والعطاء المستمر..
• الناشر >> “عندنا للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق