نور المبادرة واستعادة المجتمع صوته: تنصيب لجنة تحكيم الدورة السابعة لجائزة المجتمع المدني لسنة 2025 برئاسة مريم الناصر..
في لحظة من لحظات الاعتراف بنبل الفعل المدني، شهدت الرباط تنصيب لجنة تحكيم الدورة السابعة لجائزة المجتمع المدني لسنة 2025. مشهد يبدو خطوة جديدة في رحلة طويلة يكتبها المواطن حين يؤمن ان ادواره لا تختزل في الحكم على الواقع، بل في صنعه. فوجود هذه الجائزة هو في جوهره اشارة واضحة الى ان المبادرة لا تعيش في الهامش، وان روح العطاء حين تتجسد في عمل منظم تصبح رافعة للتنمية ووسيلة لترميم الهوة بين الحلم والواقع.
وقد جاء اختيار اسماء اللجنة برئاسة مريم الناصر ليعكس تقديرا لمسارات انسانية ومهنية عابرة للمناصب والصفات. اسماء لم تأت بايقاع الصدفة، بل بوزن التجارب، وبما راكمته من اثر واضح في محيطها الجمعوي والانساني. وهي اشارة اخرى لا تقل اهمية عن الجائزة نفسها، لان تكريم مسار ذي قيمة هو ايضا صياغة درس غير مكتوب لمن يحمل شعلة المبادرة في المستقبل.
وفي كلمته خلال حفل التنصيب، توقف الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان مصطفى بايتاس عند المعاني العميقة التي تحملها الجائزة منذ احداثها. فهي منصة لابراز النماذج التي اثبتت ان المجتمع المدني المغربي لم يعد كتلة صامتة، وان روح التطوع حين تتوفر لها الشروط تتحول الى قوة فاعلة في التنمية المحلية والمواطنة الحقة. وما عرفته الدورات السابقة من تنوع في المشاركات وجودة في المشاريع يبين ان الفعل الجمعوي بات مختبرا حقيقيا للتجديد والابتكار.
واذا كانت الدورة السابعة قد سجلت اكثر من اربعمئة ترشيح، منها عشرات المبادرات لشخصيات مدنية الى جانب الجمعيات الوطنية والمحلية وجمعيات مغاربة العالم، فان هذا الزخم لا يعكس فقط حماسا موسميا، بل مزاجا مجتمعيا يتغير بهدوء نحو قيم المشاركة والمسؤولية. وهو ما اكدته ايضا رئيسة اللجنة التي شددت على ان هذه الجائزة تشكل الية محورية لتثمين العمل الميداني الذي يربط الانسان بمحيطه، ويجعل من المبادرة الفردية او الجماعية فعلا تنمويا لا يقتصر على الدعم الظرفي، بل يلامس الاستدامة ويؤسس لثقافة جديدة في التخطيط والتنفيذ.
وفي العمق، يطرح هذا الحدث سؤالا اعمق من مجرد تتبع خبر او الاشادة بلجنة او الثناء على مبادرة. انه سؤال حول الصورة التي نريدها للمجتمع المدني في مغرب اليوم: هل نريده جسما يطالب ويشتكي، ام نريده قوة اقتراح وانجاز تفتح افقا جديدا للمواطنة؟ وهل يكفي ان نتحدث عن النجاح، ام علينا ان نعيد تعريفه حتى يصبح اداة جماعية لا مجرد غاية فردية؟ فالمجتمع لا ينهض بالشعارات، بل بنوعية ما يحمله كل مواطن من وعي ومسؤولية وقيم، وبالنية التي توجه المشاريع نحو خدمة الناس.
ان نجاح اي مبادرة لا يقاس بحجم ما يلمع في الظاهر، بل بصدق ما يراد تحقيقه في العمق. وحين تتكامل النوايا الحسنة مع التخطيط الواضح والشفافية، يصبح النجاح وسيلة للخير الشامل، ويغدو الاثر اهم من الاشكال. اما حين يختلط العمل بالسطحية او البحث عن المجد القصير، تضيع بوصلة المشاريع ويتبدد جهد كان يمكن ان يصنع فارقا حقيقيا.
من هنا، تبدو جائزة المجتمع المدني اكثر من منصة للتتويج. انها دعوة مفتوحة لاعادة التفكير في معنى المشاركة، وفي كيفية تجديد اخلاق العمل العام، وفي تحويل روح التطوع من مبادرة فردية معزولة الى ثقافة جماعية تتراكم وتثمر. وهي ايضا تذكير بان الطريق نحو مغرب متوازن لا يمر فقط عبر المؤشرات المادية، بل عبر تحقيق الانسجام بين النجاح المادي والنجاح المعنوي، بين الروح الانسانية والعزم الاخلاقي في خدمة الصالح العام.
* الناشر …”عندنا للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق