فاس-مكناس.. قافلة السكنى في العالم القروي : السكن حق والكرامة منهج..

فاس-مكناس.. قافلة السكنى في العالم القروي : السكن حق والكرامة منهج..

ليست التنمية وعدا يكتب في التقارير، ولا شعارا يرفع في المناسبات، بل فعل ميداني حين تخرج السياسات من المكاتب الى الناس، وتصبح الكرامة عنوانا يوميا لا استثناء فيه. من هذا المعنى العميق تنبع مبادرة قافلة القرب الخاصة بالتعمير والسكن في العالم القروي، التي تجوب جماعات جهة فاس مكناس، حاملة معها فكرة بسيطة في ظاهرها، كبيرة في دلالاتها: الدولة حين تقترب تصنع الفرق.

هذه القافلة، التي انطلقت بتوجيهات ملكية سامية تروم تقليص الفوارق المجالية وتحقيق الانصاف الترابي، هي ورش حي يعيد الاعتبار للعالم القروي بوصفه شريكا في الحاضر، لا هامشا مؤجلا للمستقبل. اختيار انطلاقها من الاسواق الاسبوعية رسالة واضحة مفادها ان السياسات العمومية حين تريد ان تنصت بصدق، تذهب الى حيث يوجد الناس، لا حيث يسهل الخطاب.

على امتداد محطاتها في جماعات تمشاشت وسيدي المخفي وتيساف واولاد زبير وخلاف واغبالو اكورار، وصولا الى عجاجرة ونزالة بني عمار، بدت القافلة وكأنها جسر ثقة يعاد بناؤه بين المواطن والادارة. خدمات قانونية وتقنية ومعمارية، مواكبة مباشرة لطلبات السكن واعادة البناء، تعريف ببرامج الدعم المباشر، وتشجيع للاستثمار القروي، كلها عناصر تصب في هدف واحد: تمكين الانسان القروي من حقه في المعلومة، وفي السكن اللائق، وفي مساطر واضحة لا ترهق الزمن ولا تستهلك الكرامة.

اهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في ارقامها، رغم دلالتها، وهي استهداف ازيد من مليون ونصف مواطن عبر 118 جماعة قروية وزيارة مئات الدواوير والاسواق، بل في بعدها الرمزي والاخلاقي. فهي تعكس ارادة في الانتقال من منطق التدبير عن بعد الى منطق الحضور الفعلي، ومن خطاب التنمية الى ممارسة التنمية، حيث تصبح العدالة الترابية فعلا ملموسا لا مفهوما نظريا.

غير ان نجاح مثل هذه المبادرات لا يقاس فقط بحسن التنظيم او كثافة الانشطة، بل بقدرتها على ترسيخ وعي جماعي جديد، وعي يعتبر السكن حقا انسانيا، والتعمير اداة للعدالة، والادارة في خدمة المواطن لا العكس. وهنا يبرز الرهان الاكبر: ان تتحول هذه القوافل من لحظة استثنائية الى ثقافة دائمة، ومن مبادرة ظرفية الى نهج مؤسسي مستمر.

في مغرب اليوم، لم يعد التحدي هو بناء الجدران فقط، بل بناء الثقة، ولم يعد النجاح يقاس بالماديات وحدها، بل بقدرتنا على تحقيق التوازن بين التنمية المادية والمعنى الانساني. فالسكن ليس اسمنتا فحسب، بل طمانينة، والانصاف  وليس مسطرة فقط، بل شعور بالانتماء، والمشاريع لا تنجح بالميزانيات وحدها، بل بحسن النية في التخطيط والصدق في التنفيذ.

فهل نملك جميعا، مؤسسات ومواطنين، الشجاعة الكافية لحمل مسؤولية الكلمة والفعل معا؟ وهل نعي ان الوعي والمعرفة والقيم الاخلاقية  اثناء تنفيد المشاريع هي السلاح الاقدر لبناء مغرب يحتضن الجميع .؟

• الناشر ” عندنا.. للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق

You May Have Missed