وجدة – اللوجستيك المغربي من الهامش الى القلب: كيف تصنع الرؤية الاستراتيجية اقتصادا يتحرك بثقة؟

وجدة – اللوجستيك المغربي من الهامش الى القلب: كيف تصنع الرؤية الاستراتيجية اقتصادا يتحرك بثقة؟

في وجدة لم يعد النقاش حول اللوجستيك نقاشا تقنيا محصورا في دوائر الخبراء بل تحول الى حديث عن السيادة الاقتصادية والقدرة على الفعل في عالم لا يعترف الا بمن يحسن تدبير الزمن والمسافة والتكلفة. من هذا المنطلق جاء انعقاد الدورة الثانية للمؤتمر الدولي حول اللوجستيك ليعيد طرح سؤال جوهري مفاده كيف انتقل المغرب في سنوات قليلة من موقع المتلقي للسلع الى فاعل مؤثر في سلاسل التوريد الاقليمية والدولية.

المشاركون في هذا اللقاء اجمعوا على ان التحول لم يكن وليد الصدفة بل ثمرة رؤية استراتيجية متبصرة جعلت من اللوجستيك رافعة مركزية في السياسات العمومية. رؤية قامت على تحديث البنيات التحتية والانفتاح المدروس على المحيط الدولي وتعزيز التنافسية المجالية وربط الاقتصاد الوطني بسلاسل القيمة العالمية. فالمشاريع الكبرى في السكك والطرق والموانئ والطاقة والرقمنة هي حلقات في تصور متكامل هدفه تسهيل التدفقات وتحسين مناخ الاعمال ورفع جاذبية التراب الوطني.

وجدة كانت شاهدة على هذا النقاش العميق الذي تجاوز عرض المنجزات الى تحليل التحديات واستشراف الافاق. فالمؤتمر الذي نظمته المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بشراكة مع فاعلين مؤسساتيين واكاديميين ومهنيين شكل فضاء لتبادل التجارب واستعراض الممارسات الفضلى والتقنيات الحديثة التي تعيد تعريف مفهوم اللوجستيك وتحوله من نقل وتخزين الى منظومة ذكية قادرة على دعم الاستدامة والنجاعة الاقتصادية.

في الجلسة الافتتاحية تم التاكيد على ان ما حققه المغرب في هذا المجال مكنه من التموقع ضمن الدول الافريقية الرائدة وجعل منه شريكا استراتيجيا لاوروبا وافريقيا في مجالات التجارة والصناعة والخدمات. هذا التموقع لم يكن ليكتمل لولا الاستثمار في الجهات وتحويلها الى اقطاب تنموية قادرة على استقطاب المشاريع الكبرى. جهة الشرق مثال واضح حيث اسهمت المبادرة الملكية لتنميتها في خلق بنيات تحتية مهيكلة ياتي في مقدمتها مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط الذي يرتقب ان يشكل قاطرة للتنمية ورافدا لخلق الثروة وفرص الشغل وتعزيز التنافسية الجهوية.

الرهان لم يكن اقتصاديا فقط بل معرفيا وانسانيا ايضا. فقد شدد المتدخلون على الدور المحوري للجامعة في هذه الدينامية من خلال تكوين الكفاءات ودعم البحث العلمي والمواكبة الاستراتيجية. جامعة محمد الاول برزت كنموذج في هذا المسار عبر تنويع مسالك التكوين المرتبطة باللوجستيك وسلاسل التوريد وتدبير العمليات والانفتاح على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة. البحث العلمي  اصبح شريكا في صناعة القرار وتجويد الاداء وبناء نماذج حكامة اكثر ذكاء واستدامة.

هذا النقاش يفضي في عمقه الى قناعة اساسية مفادها ان النجاح الاقتصادي يقاس بقدرته على خدمة الانسان وتعزيز العدالة المجالية وخلق معنى جماعي للتقدم. فمشاريع اللوجستيك مهما بلغت ضخامتها تظل ادوات في خدمة غاية اكبر هي رفاه المواطن وكرامته وقدرته على المشاركة في بناء المستقبل.

• الناشر ” عندنا.. للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق