فاس تتكلم بلغة العصر… التراث كأنه لعبة تحكي الذاكرة الجماعية..
في زمن صار فيه الهاتف امتدادا لليد، والشاشة نافذة اولى على العالم، تبدو العلاقة مع التراث كأنها امتحان صعب بين الذاكرة والنسيان. غير ان ما يحدث اليوم في فاس يوحي بان هذا الامتحان يمكن تحويله الى فرصة، وان الماضي حين يحسن تقديمه لا يشيخ بل يتجدد. فوسط الازقة العتيقة، حيث الحجارة تحفظ الاسرار، يولد مسار جديد للاقتراب من التاريخ، كأنه جسر شفاف بين قرون مضت وزمن رقمي لا ينتظر المتاخرين.
المبادرة التي تشق هذا المسار تقودها شركة ناشئة شابة اسمها ميديناكت، عبر تطبيق تفاعلي يحمل اسم ميديناب. هذا التطبيق بدى كمفتاح ذكي لابواب الذاكرة، لا يكتفي بعرض المعلومة، بل يدعو المستخدم الى عيشها. هنا لا تكون الزيارة مغامرة تفاعلية، كأن المدينة العتيقة تحولت الى كتاب مفتوح تقرؤه بالخطى، وتفهمه بالاسئلة، وتكتشفه باللعب.
الفكرة في جوهرها بسيطة وعميقة في ان واحد. كل زقاق كأنه لغز، وكل باب كأنه اشارة، وكل ساحة كأنها موعد مع حكاية. وبدل ان يقف الزائر موقف المتلقي الصامت، يجد نفسه مشاركا في بناء التجربة، يبحث عن الكنوز، يربط الاحداث، ويستحضر المعاني. بهذا المعنى،
وراء هذا المشروع شغف عائلي تلاقت فيه ثلاثة مسارات مهنية. مريم غاندي، المهندسة المعمارية المنشغلة بحماية المدن العتيقة، وياسين غاندي، المستشار في الفن والثقافة، وابراهيم غاندي، الخبير الرقمي في التاريخ الثقافي. اجتماع هذه الخبرات لم يكن صدفة، بل كأنه استجابة واعية لسؤال كبير: كيف نجعل الشباب يتصالح مع تراثه دون ان نفرض عليه لغة لا تشبهه؟
التطبيق هو ثمرة سنتين من العمل التقني والتوثيق التاريخي الدقيق، بهدف تقديم الثقافة المغربية باسلوب جديد ومبتكر. هذا الحرص على المصداقية، الى جانب البعد الترفيهي، جعل التجربة موجهة للجميع، من الساكنة المحلية الى الزوار الاجانب، ومن الطلبة الى الاسر، كأن التراث هنا يستعيد صفته الجامعة.
ولم يبق المشروع حبيس فاس، بل امتد الى مكناس و الرباط و الصويرة و الرشيدية ونواحيها، مع طموح واضح لتعميم التجربة على باقي المدن العتيقة. هذا الامتداد كان مدعوما باعتراف مؤسساتي، اذ اختير التطبيق ضمن برنامج وطني تشرف عليه الشركة المغربية للهندسة السياحية، المخصص لاحتضان وتمويل المشاريع المبتكرة في مجال الالعاب الترفيهية ذات البعد الثقافي.
كما اسهمت مواكبة حاضنة ذو غييم تشانجر في تعزيز الجانب التفاعلي للتجربة، عبر شارات وتحديات وسيناريوهات لعب مصممة بحسب خصوصية كل مدينة. واللافت ان هذا التطبيق يوفر جردا جغرافيا للمواقع المهمة، ومضامين تاريخية اعدت بشراكة مع خبراء، ومسارات صوتية تجعل المستخدم كأنه ينصت الى نبض المكان لا الى صدى الشاشة.
ما تقترحه ميديناب يتجاوز السياحة بمعناها التقليدي. انه تصور جديد لتثمين التراث، تكون فيه التكنولوجيا وسيلة احساس وجسرا لنقل الذاكرة لا ستارا يحجبها. زيارة المدينة العتيقة هذا يشبه حوارا مفتوحا مع الماضي، حوارا لا يفرض اجوبة جاهزة، بل يثير الاسئلة، ويحفز الفضول، ويعيد ربط الانسان بمحيطه الثقافي.
• الناشر ” عندنا.. للخبر وجه آخر”


إرسال التعليق