التقاعد بداية وعي جديد أم نهاية مسار؟ الصندوق المغربي للتقاعد يفتح ابوابه للمتقاعدين الجدد.
كان تنظيم الابواب المفتوحة اشبه بجسر هادئ يمتد بين زمنين من حياة الموظف، زمن العطاء الوظيفي وزمن الاستحقاق الانساني. ففي قلب الرباط، وبايقاع هادئ يليق بثقل المرحلة، فتح الصندوق المغربي للتقاعد ابوابه للمتقاعدين الجدد، ليقول لهم بوضوح ان الالتزام لا يتقاعد، وان المسؤولية لا تنتهي بختم الادارة بل تبدا بشكل اخر.
جاءت هذه المبادرة في نسختها الثانية وهي اشبه برسالة طمأنة موجهة لمن يقفون على عتبة التحول، اولئك الذين يملكون اسئلة اكثر مما يملكون اجوبة، ويحتاجون الى من يخاطبهم بلغة الفهم لا بلغة المساطر الجافة. اللقاء كان ورشة للانصات اذ سعى الصندوق الى تقديم صورة مختلفة عن مرحلة التقاعد، باعتبارها انتقالا منظما يحتاج الى معلومة دقيقة ومواكبة قريبة وادوات رقمية تختصر المسافة بين المواطن والادارة.
في هذا السياق، برز الرهان على الرقمنة كخيار عملي من خلال بوابة الكترونية وتطبيقات هاتفية وخدمة تواصل فوري، جعلت من الخدمة العمومية اكثر قربا واقل كلفة على الجهد والوقت. وكان لافتا ان هذا الانفتاح شبه بنبض واحد قد امتد الى مدن اخرى عبر لقاءات متزامنة، في اشارة رمزية الى ان الخدمة العمومية حين تؤمن بالانصاف لا تعترف بالمركز والهامش.
غير ان القيمة الاكثر عمقا في هذه المبادرة هي في الوعي بان التقاعد منعطف نفسي وانساني يحتاج الى استعداد داخلي بقدر حاجته الى ملف مضبوط. من هنا جاءت فقرة المواكبة النفسية اشبه بيد تمتد للمتقاعد الجديد، لتقول له ان هذه المرحلة يمكن ان تكون مساحة توازن لا فراغ، وفرصة اعادة ترتيب لا انسحاب.
وقد عكست ارتسامات المشاركين هذا المعنى بصدق، اذ عبر كثيرون عن ارتياحهم لاجوبة واضحة خففت عنهم ثقل الانتظار وقلق المجهول، وفتحت امامهم افقا لفهم جديد لعلاقتهم بالمؤسسة. كان الحضور اشبه بحوار متكافئ، لا متلقيا سلبيا، وهو ما يمنح لهذه المبادرات بعدها المواطني الحقيقي.
ان مثل هذه اللقاءات تذكرنا بان نجاح السياسات العمومية لا يقاس فقط بالارقام ولا بالموازنات، بل بمدى قدرتها على ملامسة الانسان في لحظاته الحساسة. فالتقاعد، كما كشفت هذه التجربة، ليس نهاية الدور الاجتماعي، بل تحولا في شكله، ولا ينبغي ان ينظر اليه كخروج من الفعل، بل كدخول في فعل اخر، اكثر هدوءا وربما اكثر حكمة.
وفي ختام هذا المشهد، يظل السؤال مفتوحا امام الجميع، كيف نحول الوعي الاداري الى ثقافة مجتمعية، وكيف نجعل من المعرفة والشفافية والمساءلة قيما يومية لا استثناءات ظرفية. وهل نملك الشجاعة لنؤمن بان النجاح الحقيقي لا يختزل في الماديات، بل يتحقق حين يتكامل الانجاز المادي مع المعنى الانساني، وحين تقاس المشاريع باثرها في سعادة الفرد وتماسك المجتمع. ذلك هو الطريق نحو مغرب لا يتارجح بين الحلم والواقع، بل يسير بثبات نحو وطن تتعانق فيه الروح الانسانية مع المسؤولية الاخلاقية، ويصبح الوعي فيه ليس ترفا فكريا، بل اداة بناء وشرطا للكرامة.
• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق