الدبلوماسية المغربية في 2025 ؛ الثقة الدولية تتحول الى راسمال استراتيجي هادئ وفاعل..

الدبلوماسية المغربية في 2025 ؛ الثقة الدولية تتحول الى راسمال استراتيجي هادئ وفاعل..

سنة 2025  شكلت لحظة دالة على نضج رؤية سياسية اختارت العمل الصامت بدل الضجيج، والنتائج المتراكمة بدل الشعارات، والالتزام بدل المناورة. في عالم مضطرب يعاد فيه ترتيب موازين القوة، نجح المغرب في تثبيت حضوره داخل المنظومة الدولية متعددة الاطراف بوصفه فاعلا موثوقا، لا يبحث عن الاضواء بقدر ما يسعى الى التأثير الهادئ والبناء.

الدبلوماسية المغربية، المستندة الى التوجيهات الملكية الواضحة، واصلت خلال هذه السنة الجمع بين الاستمرارية والمرونة، بين وضوح الرؤية وحسن التكيف مع التحولات المتسارعة نتيجة تراكم سياسي ومؤسساتي جعل من المغرب شريكا يحظى بالثقة داخل المنظمات الدولية والاقليمية، وقادرا على تحمل مسؤوليات دقيقة في ملفات شديدة التعقيد.

احدى السمات اللافتة في حصيلة 2025 تمثلت في كثافة الترشيحات والانتخابات التي توجت بتولي المغرب مناصب قيادية داخل اكثر من خمسين هيئة دولية، تمتد من قضايا السلم والامن ونزع السلاح، الى حقوق الانسان والتنمية المستدامة والحكامة الاقتصادية والتكنولوجية. هذا التوسع الافقي في مجالات الحضور يعكس قدرة المملكة على تقديم كفاءات مؤهلة، ورؤى متوازنة، ومقاربات عملية تحترم الخصوصيات دون التفريط في القيم الكونية.

وقد شكل تولي المغرب لاول مرة رئاسة لجنة استخدام الفضاء الخارجي في الاغراض السلمية، ورئاسة المجلس الدولي للجمعيات النووية، ومؤتمر الامم المتحدة المتعلق باخلاء الشرق الاوسط من اسلحة الدمار الشامل، مؤشرا قويا على انتقال المملكة من موقع المشاركة الى موقع التوجيه والمبادرة. وهو انتقال لم يكن معزولا عن نجاحات موازية في مجالات محاربة الفساد، الحكامة البحرية، التعليم مدى الحياة، والزراعة والامن الغذائي.

اللافت ايضا ان هذا الحضور امتد الى الفضاءين البرلماني والقضائي، من خلال انتخاب المغرب لعضوية هياكل مؤثرة داخل الاتحاد البرلماني الدولي، والجمعية الدولية للقضاة، في سابقة تعكس الاعتراف المتزايد بمصداقية التجربة المغربية في مجالي الديمقراطية والعدالة.

وفي زمن اصبحت فيه القضايا الرقمية والذكاء الاصطناعي والجرائم السيبرانية في صلب النقاش العالمي، تمكن المغرب من حجز موقعه داخل الهيئات المعنية بهذه الملفات المستجدة، كمساهم في صياغة قواعده الاخلاقية والتنظيمية. وهو ما يعكس وعيا استباقيا بطبيعة التحولات، وقدرة على التموقع داخل المستقبل بدل الاكتفاء بردود الفعل.

كما عزز المغرب خلال 2025 دوره كقوة اقليمية للاستقرار، سواء داخل الاتحاد الافريقي او جامعة الدول العربية، من خلال رئاسة مجلس السلم والامن، والمشاركة النشطة في المجالس القطاعية، الى جانب اضطلاعه بادوار تيسير وتنسيق في ملفات دولية حساسة داخل منظومة الامم المتحدة. هذه الوظيفة التوافقية، التي تتطلب قدرا عاليا من الثقة والحياد الايجابي، باتت احدى العلامات المميزة للدبلوماسية المغربية.

مجمل هذه المؤشرات لا يمكن فصلها عن الرؤية الملكية التي جعلت من السياسة الخارجية امتدادا للقيم الوطنية، دبلوماسية تقوم على الوضوح، وتراكم الثقة، وبناء الجسور، وتقديم الحلول المتوازنة، دون انخراط في صراعات الاستقطاب الحاد.

وهكذا، تكرس سنة 2025 صورة المغرب كفاعل دولي مسؤول، لا يرفع صوته كثيرا، لكنه يترك اثره حيثما حل. دبلوماسية هادئة في اسلوبها، عميقة في مضامينها، ومؤهلة لمواصلة لعب ادوار اكبر في عالم يبحث عن شركاء يمكن الوثوق بهم اكثر مما يبحث عن خطباء على المنصات.

• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق

You May Have Missed