فاس تستعيد عمقها الافريقي عبر الحرفة فتتحول الصناعة التقليدية من عرض فني الى خطاب ثقافي جامع..

فاس تستعيد عمقها الافريقي عبر الحرفة فتتحول الصناعة التقليدية من عرض فني الى خطاب ثقافي جامع..

في قلب المدينة العتيقة لفاس،  افتتح معرض للصناعة التقليدية الفنية .وهو اختيار يتجاوز منطق العرض التجاري نحو قراءة ثقافية عميقة لمعنى الحرفة بوصفها جسرا بين المغرب وعمقه الافريقي.  لحظة رمزية تعيد ربط الحاضر بجذور ممتدة في التاريخ، وتضع الصناعة التقليدية في موقعها الطبيعي كرافعة للهوية وحوار الحضارات.

المعرض، احتضنه هري بوطويل وسوق السمارين تحت عنوان ملتقى حرف وارث مشترك، جاء في سياق وطني ودولي دقيق، حيث تستعد المملكة لاحتضان منافسات قارية كبرى، وحيث تبحث المدن التاريخية عن سبل ابراز ذاتها خارج القوالب السياحية الجاهزة. فاس  تقدم سردية، تقول فيها ان الحرفة ليست بقايا ماض، بل ذاكرة حية تشكلت عبر الطرق القافلية والتبادلات العابرة للصحراء، وحملت في طياتها رموزا وتقنيات تشترك فيها مدن المغرب مع عواصم افريقية كبرى.

مسار الزيارة داخل المعرض بني  على المواد الاولية نفسها، المعدن والجلد والخشب والطين والنسيج، في اشارة ذكية الى ان المادة كانت دائما لغة مشتركة بين الحرفيين، وان الاختلافات الجهوية لم تمنع تشكل وجدان فني عابر للحدود. هنا يكتشف الزائر كيف تتقاطع الاشكال والزخارف والرموز، دون ان تذوب الخصوصيات، في معادلة دقيقة تجمع بين الاستمرارية والابتكار.

وفي تصريحات بالمناسبة، برز وعي واضح لدى المشرفين على التظاهرة بان الرهان هو في التثمين والترويج الذكي للصناعة التقليدية المغربية، عبر اشراك فاعلين من مختلف بلدان القارة، وتنظيم انشطة موازية داخل فضاءات رمزية بالمدينة، بما يحول فاس الى منصة افريقية مفتوحة للحوار الثقافي. هذا التوجه ينسجم مع تحولات عالمية جعلت من الصناعات الثقافية والابداعية رافعة اقتصادية واداة دبلوماسية ناعمة.

القفطان المغربي، الذي احتل موقعا خاصا داخل هذه التظاهرة، بدا كأنه يلخص الفكرة كلها. ففي سوق السمارين، قدم عرض ازياء كشف عن قدرة هذا الزي العريق على التجدد دون ان يفقد روحه. تصاميم جريئة في قصاتها وموادها، لكنها وفية لرموز القفطان وجماليته، في لحظة تتقاطع فيها الحرفة مع الاعتراف الدولي، بعد تصنيفه تراثا ثقافيا غير مادي للانسانية.بدا القفطان خطابا جماليا يحمل ذاكرة مجتمع بكامله.

الى جانب الازياء، حضرت الادوات اليومية والحلي والالات الموسيقية، لتؤكد ان الحوار الافريقي  تشكل في تفاصيل الحياة اليومية. شهادات الحرفيين، ومنهم صناع النحاس بفاس، حملت نبرة فخر ممزوجة بالمسؤولية، فهذه القطع المنجزة يدوياهي نقل حي لمعرفة مهددة بالنسيان، ورسالة تقول ان المدينة العتيقة لا تزال قادرة على الانتاج لا على الاستهلاك فقط.

• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق

You May Have Missed