فاس مكناس تراكم الارقام بهدوء : كيف تعيد الجهة رسم خريطة المبادرة الاقتصادية خارج الضجيج..؟
لا تمر الارقام الاقتصادية عادة مرور الخبر العابر حينما تتجاوز وظيفتها الاحصائية لتلامس عمق التحول المجتمعي ودينامية الثقة في المستقبل وهو ما تعكسه معطيات إحداث المقاولات بجهة فاس مكناس خلال الاشهر العشرة الاولى من السنة الجارية حيث يبدو الرقم مؤشرا صامتا على حراك اقتصادي يتشكل بهدوء بعيدا عن الشعارات الكبيرة
اكثر من 6300 مقاولة جديدة رأت النور بين يناير ونهاية اكتوبر وهو رقم يكشف عن نبض مقاولاتي متواصل رغم اكراهات السياق العام وتفاوت الفرص بين المجالات الحضرية وشبه الحضرية فحين تتقدم فاس المشهد بما يزيد عن 3000 مقاولة تليها مكناس باكثر من 2000 وحدة اقتصادية يصبح الحديث عن مركزية المدن الكبرى داخل الجهة امرا واقعا لكنه لا يلغي مساهمة تازة وصفرو وتاونات وازرو وبولمان في تثبيت فكرة ان المبادرة لم تعد حبيسة العواصم المحلية وحدها
اللافت في هذا المسار هوطبيعة الفاعلين فيها حيث يحافظ الاشخاص الاعتباريون على النصيب الاكبر بما يفوق 4000 مقاولة مقابل حضور وازن للاشخاص الذاتيين وهو توازن يعكس من جهة تطورا في الوعي القانوني والتنظيمي ومن جهة اخرى استمرار روح المبادرة الفردية كمدخل للاندماج الاقتصادي والاجتماعي
وعلى مستوى القطاعات تهيمن التجارة ثم البناء والانشطة العقارية تليها الخدمات والصناعة بنسب متفاوتة وهو توزيع يعكس طبيعة الطلب المحلي والجهوي كما يطرح في الوقت نفسه اسئلة مشروعة حول الحاجة الى تحفيز القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وفي مقدمتها التكنولوجيا والابتكار والأنشطة المالية التي ما تزال نسبها محدودة
اما من حيث الشكل القانوني فتؤكد هيمنة الشركات ذات المسؤولية المحدودة بمساهم واحد او بعدة شركاء ان الفاعلين يفضلون الصيغ المرنة التي تضمن الحد الادنى من الحماية القانونية وتستجيب لمتطلبات السوق دون تعقيد اجرائي كبير وهو اختيار عملي يعكس خبرة متراكمة اكثر مما يعكس حذرا مفرطا
وعند وضع هذه المؤشرات الجهوية في سياقها الوطني تبرز جهة فاس مكناس في موقع متوسط بين الجهات الاكثر استقطابا للمقاولات وتلك التي ما تزال تبحث عن توازنها وهو موقع لا يحمل دلالة سلبية بقدر ما يعكس هوامش تطوير حقيقية خاصة اذا ما تم ربط هذه الارقام بسياسات جهوية اكثر تركيزا على المواكبة والتمويل والتكوين وربط المبادرة بالخصوصيات المحلية
في المحصلة لا تقول هذه الارقام كل شيء لكنها تقول ما يكفي لفهم ان الاقتصاد لا يتحرك دائما بالقرارات الكبرى وحدها بل ايضا بتراكم اختيارات صغيرة لمقاولين اختاروا المخاطرة المحسوبة وبمؤسسات واكبت دون ضجيج وبمجال جهوي ما يزال قادرا على اعادة اكتشاف نفسه متى توفرت الرؤية والارادة.
• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق