من الحرفة الى الذاكرة الحية: كيف اعاد معرض الالتقاء بالرباط الاعتبار للصناعة التقليدية كجسر ثقافي افريقي
فتحت ابواب المتحف الوطني للحلي بالاوداية بالرباط على معرض يحمل اسم ” الالتقاء” وهو يندرج ضمن فعاليات الاسبوع الوطني للصناعة التقليدية، وذلك لوضع الصناعة التقليدية في مكانها الطبيعي باعتبارها ذاكرة حية، ولسانا ثقافيا قادرا على الكلام حين تعجز الخطابات.
المعرض يحتفي بالتقاطع بين الثقافات المغربية والافريقية و يقترح مسارا بصريا وفكريا يجعل من المعدن والجلد والخشب والطين والنسيج لغات تعبير كاملة، تروي تاريخا من التبادل والسفر وتناقل الايماءات بين الشعوب. هنا تعرض الاشياء باعتبارها شواهد على مسار انساني طويل تشكل عبر القوافل والطرق واللقاءات، وبقي وفيا لروح الحركة والتفاعل.
في هذا الفضاء، تتحرر الصناعة التقليدية من صورتها النمطية، وتستعيد بعدها الجغرافي والرمزي، باعتبارها خريطة ذاكرة رسمتها الايدي، وانتقلت من جيل الى جيل، ومن ضفة الى اخرى في القارة الافريقية. فالتراث هنا ينفتح على عمقه الافريقي، مؤكدا ان المشترك الثقافي اقوى من العابر السياسي، وان الحرفة كانت دوما جسرا لا يعرف الانغلاق.
الرسائل التي حملها افتتاح المعرض جاءت منسجمة مع هذا التصور، حيث تم التأكيد على ان هذا الموعد يعكس حجم التنوع والثراء الذي يميز التراث المغربي، ويبرز في الوقت نفسه مكانة الصناعة التقليدية كرافعة ثقافية واقتصادية. كما ان تزامنه مع كأس افريقيا للامم هو اشارة ذكية الى ان الثقافة والابداع لا يقلان قدرة عن كرة القدم في خلق التقارب بين الشعوب وصناعة صورة افريقيا الموحدة.
الحضور اللافت للصناع التقليديين، والتفاعل الكبير من الزوار المغاربة والاجانب، يكشفان عن تعطش حقيقي لهذا النوع من المبادرات التي تعيد الاعتبار للمهارة اليدوية، وتمنحها فضاء عرض يليق بقيمتها الرمزية. فالمنتوج التقليدي حين يقدم في سياقه الثقافي، يتحول من سلعة الى حكاية، ومن قطعة جامدة الى ذاكرة قابلة للانصات.
ومن بين اللحظات الدالة في هذا المسار، تسليط الضوء على القفطان المغربي كعنصر ثقافي متجذر في التاريخ المغربي، تم الاعتراف به كرصيد حضاري اصيل. وعرض الازياء الذي رافق الافتتاحكان قراءة بصرية لتاريخ طويل نسجته الخيوط والتطريزات، وحملته الايادي عبر قرون من الاتقان والابتكار.
المعرض الذي يستمر الى غاية الثامن عشر من يناير، ينجح في تقديم الصناعة التقليدية باعتبارها خطابا ثقافيا معاصرا، قادرا على محاورة الحاضر دون ان يتنكر للماضي. وهو بذلك يوجه رسالة هادئة وعميقة مفادها ان التراث لا يحيا بالحفظ فحسب، وإنما بالعرض الذكي، وبالربط بين الذاكرة والراهن، وبين المحلي وافريقيا الواسعة.
• الناشر ” عندنا للخبر وجه آخر”

إرسال التعليق