آسفي مدينة من “مدن شاعرة” .. أو حينما تسترد الكلمة حقها في الاضاءة..
في العرائش ولد مساء جديد للثقافة، مساء ينهض على رغبة صادقة في اعادة الاعتبار لصوت الكلمة وحقها في ان تتحرك بين الناس برشاقة وعمق وكرامة. فقد اعلنت جمعية اشعاع للثقافات والفنون عن اطلاق فقرة مدن شاعرة التي اختارت ان تفتتح دورتها الاولى باستضافة اصوات من مدينة اسفي، المدينة التي طالما قدمت للمشهد الشعري المغربي نبرة خاصة تجمع بين صلابة البحر وشفافية الابداع. ويأتي هذا الاختيار باعتباره اعترافا غير معلن بقيمة التنوع الذي تحتضنه الجغرافيا الثقافية للمغرب، حيث تتحول المدن الى فضاءات تبعث الشعر من جديد، وتمنح القراء نافذة اضافية على تجارب فنية لا تزال تتجدد كل يوم.
ويقدم البرنامج امسية يشارك فيها عدد من شعراء اسفي الذين رسخوا حضورهم في خرائط الابداع المعاصر، من بينهم دامي عمر، عبد الرحيم الخصار، يونس الحيول، امين زكنون، ورشيد فجاوي، في لقاء يقدمه الشاعر محمد بنقدور الوهراني بمرافقة موسيقية على آلة العود للفنانة اسماء البغدادي. ولا يقف الحدث عند مستوى العرض الفني، بل يتجاوزه نحو بناء لحظة تفاعلية مفتوحة، حيث تتقاطع القراءات الشعرية مع النقاشات الفكرية التي ترصد ملامح التجربة الشعرية المحلية وتضيء مفاصلها الانسانية والجمالية. فمدن شاعرة ليست مجرد منصة للقراءة، بل ورشة للانصات، ومختبرا لاكتشاف ما يتوارى خلف النص من رؤى ومواقف واسئلة.
وتسعى جمعية اشعاع للثقافات والفنون من خلال هذه المبادرة الى خلق موعد ثقافي دوري يحتفي بالشعر المغربي ويمد جسورا مع الجغرافيات الشعرية الاخرى، في محاولة واعية لاعادة الشعر الى فضائه الطبيعي داخل الحياة العامة. فحين يجد الشاعر مكانه بين الناس، يستعيد المجتمع جزءا من هدوئه الداخلي وذكائه الروحي. وهكذا يصبح الانفتاح على الطاقات الادبية الشابة والراسخة خطوة ضرورية نحو بناء مشهد ثقافي لا ينغلق على ذاته ولا ينفصل عن هموم الناس وتطلعاتهم. ان مدن شاعرة تسعى بكل بساطة الى ان تذكر الجمهور بان الكلمة الصادقة لا تزال قادرة على ان تجمع المختلفين داخل مساحة مشتركة من التذوق والوعي والجمال.
ومع كل هذا، يظل السؤال الذي يرافق هذه المبادرة اكبر من حدود امسية شعرية او برنامج ثقافي. انه سؤال الدور الذي يمكن للثقافة ان تلعبه في تطوير الوعي العام، وفي ترميم العلاقة بين الفرد وذاته وبين المجتمع واملائه. فهل يمكن للشعر، بما يحمله من اشراقات وتوترات، ان يعيد ترتيب اولوياتنا ويمنحنا القدرة على النظر ابعد من التفاصيل الصغيرة التي تستهلك حياتنا اليومية هل يمكن للكلمة النبيلة ان تصنع مواطنا اشد حرصا على الحقيقة، واشد تعلقا بالقيم التي ترفع الانسان ولا تجره نحو السفاسف
ان الطريق نحو مغرب افضل لا يمر فقط عبر السياسات والقرارات، بل عبر بناء وعي جديد، وضمير ثقافي يعرف كيف يميز بين ما ينهض بالمجتمع وما يثقل خطاه. النجاح الحقيقي ليس لامعا ولا ماديا فقط، بل هو ذلك الذي يجمع بين نبل المقصد ونقاء الفعل. وكل مشروع ثقافي صادق يحتاج الى نية حسنة في التخطيط وصدق عملي في التنفيذ، حتى يتحول الى خطوة في سبيل الخير العام، لا الى رقم جديد في سجل المبادرات العابرة.
وهل يمكن للشعر ان يواصل حمل رسالته القديمة في التهذيب والامل والبصيرة هذه الاسئلة ليست ترفا، بل بوابة نحو مغرب يلتقي فيه الوعي بالعمل، وتتعانق فيه الروح الانسانية مع العزم الاخلاقي، ليصبح النجاح فيه وسيلة للارتقاء بالجميع لا مكسبا فرديا معزولا.
• الناشر


إرسال التعليق