مراكش تصنع فرصة جديدة: مبادرات تعيد الثقة وتفتح ابواب الاندماج..

مراكش تصنع فرصة جديدة: مبادرات تعيد الثقة وتفتح ابواب الاندماج..

في فضاء ولاية جهة مراكش اسفي، لم يكن الحفل الذي نظمته مؤسسة محمد السادس لاعادة ادماج السجناء مناسبة رسمية عابرة فحسب، بل كان مساحة مشتعلة بالمعاني العميقة التي تصنعها الارادة حين تلتقي مع الامل. فقد شهدت مراكش توزيع مشاريع مدرة للدخل لفائدة مجموعة من السجناء السابقين، وهي خطوة تعكس رؤية وطنية تسعى الى منح الانسان فرصة جديدة للعودة الى الحياة بكرامة، في مغرب يؤمن بان اصلاح المجتمع يبدأ من اصلاح اضعف حلقاته.

لم يكن الدعم المقدم  ارقاما مالية، رغم ان الغلاف المخصص الذي تجاوز ثلاثمئة وخمسين الف درهم يشهد على جدية العمل. كان الامر ابعد من ذلك. كان اعترافا بان كل انسان قادر على النهوض اذا وجد من يمد اليه اليد من دون وصم ومن دون احكام مسبقة. وقد استفاد من هذه العملية عشرة اشخاص تمت مواكبتهم داخل مركز المصاحبة واعادة الادماج، وهو مركز صار جسرا يعبر عبره الكثيرون نحو حياة جديدة.

الحضور الوازن لشخصيات الولاية والقضاء والامن ، اشارة واضحة الى ان الادماج اليوم لم يعد عملا ثانويا، بل جزءا من رؤية دولة تضع الانسان في قلب مشروعها التنموي. فالاقتصاد الوطني لا ينهض فقط بالمقاولات الكبيرة، وانما ايضا بالمشاريع الصغرى التي تمتد جذورها في المجتمع، وتمنح الافراد فرصة انتاجية حقيقية تعيد الثقة وتكسر دوائر الهشاشة. وهو ما اكده المنسق الجهوي للمؤسسة حين ربط المبادرة بالرؤية الملكية الرامية الى التمكين الاقتصادي وتعزيز الاندماج، ليس كشعارات بل كمشاريع ملموسة تعطي ثمارها في الميدان.

وقد برز البعد الاجتماعي والانساني لهذه الخطوة في كلمات رئيسة قسم العمل الاجتماعي بالولاية، حين اشارت الى ان الفئات الهشة هي ارواح تبحث عن سند، وعائلات تنتظر بارقة امل، ومواطنين يريدون فقط فرصة عادلة لاعادة بناء حياتهم. وهذا ما جعل المبادرة تتجاوز الجانب المادي لتلامس جوهر الادماج الحقيقي، الذي يجمع بين التكوين والتأهيل والدعم الميداني المستمر.

لكن الصورة الاكثر صدقا جاءت من افواه المستفيدين انفسهم. كلمات بسيطة لكنها محملة بالعاطفة والامتنان: استعادة الثقة بالنفس، بداية جديدة، مستقبل مهني كريم. عبارات تلخص رحلة معقدة من السقوط ومحاولة النهوض، وتكشف ان المبادرات النبيلة اذا اقترنت بالمتابعة الجادة يمكن ان تغير حياة انسان، وبالتالي حياة مجتمع باكمله.

ان ما حدث في مراكش ليس فعلا معزولا، بل هو جزء من مقاربة شاملة تعتمدها المؤسسة في مواكبة الاشخاص بعد الافراج، من الدعم الصحي والتعليمي الى المرافقة الادارية والقضائية، وصولا الى التشغيل الذاتي. مقاربة تتعامل مع الانسان ككل، وتدرك ان اعادة الادماج هي بناء طويل النفس يحتاج الى قيم واخلاق وحس وطني عميق.

• الناشر

إرسال التعليق

You May Have Missed